حذر هيثم الغيص، الأمين العام لمنظمة «أوبك»، من أن تصاعد الحديث عن قرب تراجع الطلب العالمي على النفط قد يبعث برسالة سلبية إلى المستثمرين، ويدفعهم إلى تقليص أو تأجيل ضخ رؤوس الأموال في الصناعة النفطية، في وقت تتوقع فيه المنظمة استمرار نمو الطلب على الخام لعقود مقبلة وحاجة القطاع إلى استثمارات ضخمة للحفاظ على الإمدادات وتطوير طاقات إنتاجية جديدة.
وقال الغيص، في مقابلة مع تلفزيون النهار الجزائري على هامش زيارته إلى الجزائر، إن الحديث عن انخفاض الطلب على النفط يمثل «رسالة خطيرة» للمستثمرين، لأنه قد يفهم باعتباره دعوة إلى وقف الاستثمار في الصناعة النفطية، وهو ما يتعارض، بحسبه، مع موقف «أوبك» وتقديرات عدد من أطراف صناعة الطاقة.
صراع التوقعات يرسم مستقبل استثمارات النفط
تأتي تصريحات الغيص في وقت يحتدم فيه النقاش حول المسار طويل الأجل للطلب العالمي على النفط، وسط اختلافات في التقديرات بين «أوبك» ووكالة الطاقة الدولية.
ويكتسب هذا الخلاف أهمية استثمارية كبيرة، إذ تعتمد شركات النفط والحكومات على توقعات الطلب طويلة الأجل في تحديد حجم الإنفاق على الاستكشاف والإنتاج والبنية التحتية والطاقة الإنتاجية الجديدة.
ويرى الغيص أن التطورات الأخيرة في توقعات وكالة الطاقة الدولية تشير إلى تقارب نسبي مع رؤية «أوبك» بشأن استمرار نمو الطلب على النفط.
وكالة الطاقة الدولية تعيد حسابات ذروة الطلب
وأشار الأمين العام لـ«أوبك» إلى أن وكالة الطاقة الدولية عدلت خلال الفترة الماضية رؤيتها بشأن موعد بلوغ الطلب العالمي على النفط ذروته.
وفي تقريرها الصادر في نوفمبر 2025، أعادت الوكالة طرح «سيناريو السياسات الحالية» (CPS)، الذي يفترض استمرار نمو استهلاك النفط حتى عام 2050، مع ارتفاع الطلب بنحو 13% مقارنة بالمستويات الحالية.
ويرتبط هذا السيناريو، من بين عوامل أخرى، بافتراض تباطؤ انتشار السيارات الكهربائية مقارنة ببعض التوقعات السابقة، بما يسمح باستمرار نمو الطلب على النفط خلال العقود المقبلة.
وتظل هذه السيناريوهات مرتبطة بالسياسات الحكومية وتطور التكنولوجيا وسرعة التحول إلى المركبات الكهربائية ومصادر الطاقة منخفضة الانبعاثات، وبالتالي لا تمثل بالضرورة توقعًا واحدًا حتميًا لمسار الطلب العالمي.
«أوبك» تتوقع وصول الطلب إلى 124.1 مليون برميل يوميًا
في المقابل، تتبنى «أوبك» تقديرات أكثر ارتفاعًا للطلب على النفط في الأجلين المتوسط والطويل.
وبحسب تقديرات المنظمة، يرتفع الطلب العالمي على النفط من 105.1 مليون برميل يوميًا في 2025 إلى 113.3 مليون برميل يوميًا بحلول 2030، قبل أن يصل إلى نحو 124.1 مليون برميل يوميًا في 2050.
وترى «أوبك» أن تلبية هذا الطلب تتطلب استثمارات تراكمية في صناعة النفط تقدر بنحو 17.7 تريليون دولار حتى عام 2050.
ويضع هذا الرقم الاستثمارات النفطية في قلب النقاش حول مستقبل الصناعة، إذ تحذر المنظمة من أن انخفاض الاستثمارات بصورة حادة قد يؤدي إلى فجوات في الإمدادات إذا جاء الطلب الفعلي أعلى من التوقعات المتشائمة.
17.7 تريليون دولار على المحك
ويعكس تقدير «أوبك» لحجم الاستثمارات المطلوبة حجم التحدي الذي تواجهه صناعة النفط، إذ تحتاج الشركات إلى تمويل مستمر للحفاظ على الإنتاج القائم، وتعويض انخفاض إنتاج الحقول الحالية، وتطوير اكتشافات وطاقات إنتاجية جديدة.
ومن هذا المنطلق، يرى الغيص أن الرسائل التي تشير إلى قرب انتهاء عصر نمو الطلب على النفط يمكن أن تؤثر في قرارات المستثمرين، خصوصًا أن مشروعات النفط والغاز تتطلب فترات زمنية طويلة وتحتاج إلى رؤية واضحة بشأن الطلب المستقبلي.
«أوبك»: الطلب على الطاقة سيرتفع 23% بحلول 2050
ولا تحصر «أوبك» رؤيتها لنمو الطلب في النفط وحده، إذ يتوقع الغيص ارتفاع إجمالي استهلاك الطاقة عالميًا بنحو 23% حتى عام 2050.
ويعزو الأمين العام للمنظمة هذا النمو إلى مجموعة من العوامل، من بينها زيادة عدد السكان، وتوسع الاقتصاد العالمي، وتسارع التحضر، وهي عوامل من شأنها زيادة الاحتياجات العالمية من مختلف مصادر الطاقة.
وفي الوقت نفسه، أقر الغيص بالنمو المتوقع في مصادر الطاقة المتجددة، لكنه شدد على أن رؤية «أوبك» تعتبر هذه المصادر جزءًا مكملًا لمزيج الطاقة، وليس بديلًا كاملًا عن النفط والغاز.
الاستثمار بين مخاطر نقص الإمدادات وتسارع التحول
تعكس تصريحات الغيص جانبًا أساسيًا من الجدل الدائر حول مستقبل سوق الطاقة: كيف يمكن تحقيق التوازن بين الاستثمار الكافي لضمان أمن الإمدادات، وبين التحولات المتسارعة في سياسات الطاقة والتكنولوجيا؟
ففي الوقت الذي تراهن فيه «أوبك» على استمرار نمو الطلب على النفط لعقود، يدفع التوسع في الطاقة المتجددة والمركبات الكهربائية وكفاءة استهلاك الطاقة إلى إعادة تقييم احتياجات الاستثمار في الوقود الأحفوري.
وبالتالي، لا يقتصر الخلاف على توقيت بلوغ ذروة الطلب على النفط، بل يمتد إلى حجم رؤوس الأموال التي ستتجه إلى الصناعة خلال العقود المقبلة، وقدرة المنتجين على توفير الإمدادات في حال جاء الطلب أعلى من التوقعات.
ومع تقدير «أوبك» احتياجات القطاع بنحو 17.7 تريليون دولار حتى 2050، تتحول توقعات الطلب من مجرد أرقام في تقارير الطاقة إلى عامل مؤثر مباشرة في قرارات الاستثمار ومستقبل أمن الإمدادات العالمي.