تواجه صناعة السيارات في جنوب أفريقيا مرحلة مفصلية مع تسارع التحول العالمي نحو السيارات الكهربائية والهجينة، في وقت تتنافس فيه دول آسيا وأمريكا الجنوبية على استقطاب الاستثمارات والموديلات الجديدة.
ولم تعد المعركة تقتصر على مبيعات السيارات، بل امتدت إلى قدرة البلاد على الحفاظ على موقعها كمركز إقليمي للإنتاج والتصدير، وحماية قاعدة صناعية توفر نحو 113 ألف وظيفة مباشرة.
وتكتسب هذه المنافسة أهمية خاصة بالنسبة للاقتصاد الجنوب أفريقي، إذ تمثل صناعة السيارات نحو 23.8% من إنتاج قطاع الصناعات التحويلية، فيما يوفر القطاع، بصورة مباشرة وغير مباشرة، نحو 498 ألف وظيفة وفق بيانات الصناعة.
كما تعتمد الصناعة بدرجة كبيرة على التصدير، إذ يتم توجيه نحو ثلثي السيارات المنتجة محليًا إلى الأسواق الخارجية، ما يجعل التحولات التي تشهدها أسواق التصدير عنصرًا حاسمًا في قرارات شركات السيارات بشأن الاستثمار والإنتاج في البلاد.
آسيا تنافس جنوب أفريقيا على مصانع الجيل الجديد
تبحث شركات السيارات العالمية حاليًا عن مواقع لإنتاج الجيل الجديد من المركبات الكهربائية والهجينة، وهو ما يضع جنوب أفريقيا أمام منافسة مباشرة مع مراكز تصنيع آسيوية تمتلك مزايا متقدمة في التكلفة وسلاسل الإمداد والبنية التحتية الصناعية.
وتزداد أهمية هذه المنافسة مع انتقال شركات السيارات تدريجيًا من الاستثمار في محركات الاحتراق الداخلي إلى المركبات الكهربائية والهجينة ومكونات البطاريات.
ويمثل قرار تخصيص مصنع أو طراز جديد لدولة معينة استثمارًا طويل الأجل، لا يقتصر أثره على المصنع نفسه، وإنما يمتد إلى موردي المكونات وشركات الخدمات اللوجستية ومقدمي الخدمات الصناعية وسلاسل التوريد المرتبطة بالقطاع.
ويحذر مسؤولو الصناعة في جنوب أفريقيا من أن عدم مواكبة التحول العالمي قد يؤدي إلى فقدان البلاد بعض الاستثمارات المستقبلية وتخصيصات الإنتاج الجديدة لصالح مراكز تصنيع منافسة.
113 ألف وظيفة مرتبطة بقدرة الصناعة على جذب الاستثمار
تتضح أهمية المنافسة على الاستثمارات الجديدة بالنظر إلى حجم العمالة المرتبطة بصناعة السيارات.
فالقطاع يوفر نحو 113 ألف وظيفة مباشرة في عمليات التصنيع، بينما يمتد تأثيره إلى مئات الآلاف من الوظائف الأخرى عبر سلاسل الإمداد والنقل والخدمات والصناعات المرتبطة.
وبالتالي، فإن خسارة مصنع جديد أو نموذج إنتاج لصالح دولة منافسة لا تعني فقط فقدان استثمار رأسمالي، وإنما يمكن أن تنعكس على الطلب على مكونات السيارات والخدمات اللوجستية والوظائف المرتبطة بسلاسل الإنتاج.
وتصدر جنوب أفريقيا نحو 67% من السيارات المصنعة محليًا، فيما تستحوذ أوروبا والمملكة المتحدة على نحو 63% من صادرات السيارات، ما يجعل التحول في هذه الأسواق نحو المركبات منخفضة الانبعاثات عاملًا مباشرًا في مستقبل الصناعة المحلية.
حافز ضريبي بـ150% لجذب استثمارات السيارات الكهربائية
وتحاول الحكومة الجنوب أفريقية تعزيز قدرة البلاد على المنافسة من خلال تقديم حوافز للاستثمار في السيارات الكهربائية والمركبات العاملة بالهيدروجين.
وتسمح القواعد الجديدة للشركات بخصم 150% من الاستثمارات المؤهلة في المباني والآلات والمعدات المستخدمة في إنتاج السيارات الكهربائية والمركبات التي تعمل بالهيدروجين.
ويستهدف هذا الحافز تشجيع الشركات القائمة على تحويل خطوط الإنتاج، إلى جانب جذب استثمارات جديدة في الصناعات المرتبطة بالمركبات منخفضة الانبعاثات.
لكن الحوافز الضريبية ليست العامل الوحيد الذي يحسم قرارات شركات السيارات العالمية، إذ تشمل حسابات اختيار موقع المصنع عوامل أخرى، من بينها استقرار إمدادات الكهرباء، وتكلفة النقل والخدمات اللوجستية، وتوافر العمالة والمهارات المتخصصة، والبنية التحتية لشحن السيارات الكهربائية، وحجم السوق المحلية، فضلًا عن وضوح السياسات التجارية والصناعية.
محدودية الطلب المحلي تضيف تحديًا جديدًا
وتواجه جنوب أفريقيا تحديًا آخر يتمثل في محدودية انتشار السيارات الكهربائية محليًا، إذ لا تزال المركبات الجديدة العاملة بالطاقة الجديدة تمثل حصة محدودة من السوق، بلغت نحو 2.8% من مبيعات السيارات الجديدة.
ويؤثر حجم الطلب المحلي في حسابات شركات السيارات التي تدرس إنشاء خطوط إنتاج جديدة، إذ تحتاج المصانع إلى قاعدة طلب قادرة على استيعاب الإنتاج، أو إلى منظومة تصدير قوية تتيح توجيه الجزء الأكبر من الإنتاج إلى الأسواق الخارجية.
ومن هنا تزداد أهمية قدرة جنوب أفريقيا على الحفاظ على أسواقها التصديرية، خاصة مع تشدد الأسواق الأوروبية والبريطانية في معايير الانبعاثات وتسارع التحول نحو السيارات منخفضة الانبعاثات.
المنافسة تنتقل من السيارات إلى البطاريات والبرمجيات
يكشف التحول إلى السيارات الكهربائية أن المنافسة العالمية لم تعد تدور حول تكلفة تجميع السيارة فقط، وإنما أصبحت تشمل بناء منظومة صناعية متكاملة تضم البطاريات والمكونات الإلكترونية والبرمجيات ومصانع السيارات والبنية التحتية للشحن.
وتتمتع بعض الاقتصادات الآسيوية بميزة نسبية في هذا السباق نتيجة تطويرها المبكر لقاعدة صناعية كبيرة في البطاريات والإلكترونيات ومكونات السيارات.
وفي المقابل، تحتاج جنوب أفريقيا إلى تطوير قاعدة إنتاجية أكثر ارتباطًا بتقنيات السيارات الكهربائية حتى لا تظل صناعتها معتمدة بدرجة كبيرة على تقنيات المركبات التقليدية.
الوظائف أمام تحول صناعي طويل الأجل
ولا يعني التحول إلى السيارات الكهربائية اختفاء الوظائف الـ113 ألفًا دفعة واحدة، لكن مستقبل هذه الوظائف يرتبط بقدرة الصناعة على جذب الاستثمارات والموديلات الجديدة.
ففي حال نجاح جنوب أفريقيا في استقطاب إنتاج السيارات الكهربائية ومكوناتها، يمكن أن تنتقل نسبة من العمالة الحالية تدريجيًا إلى تقنيات جديدة، بالتوازي مع ظهور وظائف في مجالات البطاريات والإلكترونيات والبرمجيات وخدمات المركبات الكهربائية.
أما في حال توجه الاستثمارات الجديدة إلى مراكز تصنيع منافسة في آسيا وأمريكا الجنوبية، فقد تواجه الصناعة على المدى الطويل ضغوطًا على الإنتاج المحلي وقدرتها على التوسع في الوظائف الصناعية.
صناعة السيارات أمام اختبار اقتصادي أوسع
تضع هذه التطورات صناعة السيارات الجنوب أفريقية أمام اختبار يتجاوز مستقبل المركبات نفسها، فالقطاع يمثل نحو 23.8% من إنتاج الصناعات التحويلية، كما يشكل مصدرًا مهمًا للصادرات والاستثمار والتوظيف.
وبالتالي، يمثل التحول إلى السيارات الكهربائية فرصة لإعادة بناء قاعدة الصناعة حول تقنيات جديدة، لكنه في الوقت نفسه يفرض تحديات على قدرة البلاد على الاحتفاظ بالاستثمارات الحالية واقتناص استثمارات الجيل المقبل من السيارات.
وفي النهاية، لن يتوقف مستقبل صناعة السيارات الجنوب أفريقية على الحوافز الضريبية وحدها، بل على قدرتها على الجمع بين الكهرباء الموثوقة، والبنية التحتية، والمهارات، وسلاسل الإمداد، والقدرة التصديرية، والطلب على السيارات الكهربائية.
ففي سباق التحول الصناعي العالمي، تتنافس الدول اليوم على استقطاب المصانع والاستثمارات والوظائف الجديدة، قبل أن تتنافس على بيع السيارات نفسها.