صندوق النقد: الاقتصاد المصري يعزز قدرته على امتصاص الصدمات.. والاحتياطيات تتجاوز 64 مليار دولار


Tue 22 Sep 2026 | 10:16 AM
صندوق النقد الدولي
صندوق النقد الدولي
محمد سلامة

أظهر الاقتصاد المصري قدرة أكبر على التعامل مع تداعيات الاضطرابات الإقليمية الأخيرة، مستفيدًا من تحسن وضعه الخارجي وارتفاع الاحتياطيات الدولية وقوة التدفقات من السياحة وتحويلات المصريين بالخارج، إلى جانب مرونة سعر الصرف التي ساعدت على امتصاص جانب من الصدمة.

وقال صندوق النقد الدولي إن استجابة السلطات المصرية للتطورات الإقليمية جاءت سريعة، مشيرًا إلى أن مرونة سعر الصرف، إلى جانب تعديلات أسعار الطاقة وضبط الإنفاق وتوسيع نطاق الدعم الموجه، ساهمت في احتواء الضغوط والحفاظ على استقرار الاقتصاد نسبيًا.

احتياطيات قوية قبل اندلاع الصراع

وبحسب مقال نشره أمين ماطي، رئيس بعثة صندوق النقد الدولي إلى مصر، ويفجيينيا كورنيينكو، الخبيرة الاقتصادية الأولى بالصندوق، بلغت الاحتياطيات الدولية لمصر نحو 64 مليار دولار بنهاية يناير 2026، بما يعادل نحو 119% من مقياس كفاية الاحتياطيات لدى الصندوق.

وتزامن ذلك مع وصول صافي الأصول الأجنبية لدى البنوك التجارية إلى مستويات قياسية، وهو ما وفر، وفق الصندوق، هامشًا أكبر أمام الاقتصاد للتعامل مع موجة خروج رؤوس الأموال التي رافقت اندلاع الصراع.

وتراجعت حيازات غير المقيمين من أدوات الدين الحكومية المقومة بالعملة المحلية من 39.1 مليار دولار في فبراير إلى 22.2 مليار دولار في أوائل أبريل.

مرونة سعر الصرف تمتص جانبًا من الصدمة

ساهم نظام سعر الصرف المرن في انتقال جزء من الضغوط الخارجية إلى سعر الجنيه بدلًا من استنزاف الاحتياطيات للدفاع عن مستوى محدد للعملة.

وتراجع الجنيه بنحو 14% إلى 17% خلال الموجة الأولى من الضغوط، قبل أن يستعيد جزءًا كبيرًا من خسائره مع انحسار التوترات وعودة تدفقات استثمارات الحافظة إلى مستويات تقترب من مستويات ما قبل الصراع.

وفي الوقت نفسه، أجرت السلطات تعديلات على أسعار الطاقة بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط عالميًا، إلى جانب ضبط الإنفاق وتوسيع نطاق الدعم الموجه، بما ساعد على الحفاظ على الانضباط المالي خلال فترة اتسمت بارتفاع المخاطر الإقليمية.

نمو الاقتصاد يواصل الصمود

ورغم اضطرابات الأسواق، لم تمتد تداعيات الصدمة إلى الاقتصاد الحقيقي بصورة واسعة، إذ سجل الناتج المحلي الإجمالي نموًا بنسبة 5% خلال الربع الثالث من السنة المالية 2025-2026.

وحافظ قطاع السياحة على قدرته على الصمود، فيما سجلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج مستويات قياسية، بينما واصلت حركة قناة السويس التعافي التدريجي بعد التأثر المؤقت بالتوترات الإقليمية.

وفي المقابل، ارتفع التضخم نتيجة تراجع الجنيه وتعديلات أسعار الطاقة، إلا أن الزيادة جاءت، بحسب صندوق النقد، أقل حدة من التوقعات السابقة.

عودة تدفقات المستثمرين

ومع تراجع حدة اضطرابات الأسواق، بدأت تدفقات استثمارات الحافظة في العودة إلى مصر، واقتربت حيازات المستثمرين الأجانب من مستويات ما قبل الصراع.

وانعكس تحسن شهية المستثمرين على تكلفة الاقتراض السيادي، مع تراجع فروق العائد على الديون السيادية المصرية إلى مستويات أقل من تلك المسجلة قبل الحرب، إلى جانب عودة مصر إلى أسواق رأس المال الدولية بإصدارات حظيت بطلب قوي.

وفي مايو 2026، أصدرت مصر سندات يوروبوند اجتماعية بقيمة مليار دولار، وتجاوزت طلبات الاكتتاب حجم الإصدار بأكثر من خمسة أمثال، قبل أن تصدر في يونيو سندات ساموراي تعادل 500 مليون دولار.

وبحلول أغسطس، تراجعت علاوة المخاطر على الديون السيادية المصرية إلى أدنى مستوياتها منذ 2014.

ارتفاع الدين يظل التحدي الأبرز

ورغم تحسن قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية، يظل ارتفاع الدين العام وإجمالي الاحتياجات التمويلية من أبرز التحديات أمام الاقتصاد المصري، إلى جانب الاعتماد على جانب مهم من التمويل قصير الأجل وارتفاع انكشاف البنوك المحلية على الدين الحكومي.

ويقدر صندوق النقد الدولي أن تظل إجمالي الاحتياجات التمويلية عند نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي خلال الأجل القريب، قبل أن تتراجع تدريجيًا إلى أقل من 30% بحلول 2030.

ويجعل ذلك خفض مخاطر إعادة التمويل وإطالة آجال استحقاق الدين من الملفات الرئيسية أمام السياسة المالية خلال المرحلة المقبلة.

الإصلاحات الهيكلية لتعزيز دور القطاع الخاص

ويرى صندوق النقد أن الحفاظ على قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة الصدمات يتطلب استمرار مرونة سعر الصرف، والانضباط المالي، وتبني سياسة نقدية ملائمة، بالتوازي مع تسريع وتيرة الإصلاحات الهيكلية.

وتشمل الإصلاحات التي يركز عليها الصندوق تسريع تنفيذ سياسة ملكية الدولة وبرنامج التخارج، وتحسين حوكمة الشركات المملوكة للدولة، وتعزيز المنافسة، بما يتيح مساحة أكبر أمام القطاع الخاص لقيادة الاستثمار والنمو ورفع الإنتاجية.

وكان المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي قد استكمل في يوليو 2026 المراجعة السابعة لبرنامج مصر في إطار تسهيل الصندوق الممدد، إلى جانب المراجعة الثانية ضمن تسهيل الصلابة والاستدامة، بما أتاح لمصر سحب ما يعادل نحو 1.8 مليار دولار.

وبذلك ارتفع إجمالي المشتريات والمبالغ المنصرفة لمصر في إطار التسهيلين إلى نحو 7.3 مليار دولار.

وتشير قراءة صندوق النقد إلى أن الاقتصاد المصري دخل الصدمة الإقليمية الأخيرة من وضع أكثر قدرة على التعامل مع الضغوط، مدعومًا باحتياطيات قوية وتدفقات خارجية مهمة ومرونة أكبر في سعر الصرف، فيما يظل التحدي الرئيسي خلال المرحلة المقبلة هو تحويل هذه القدرة على الصمود إلى نمو مستدام تقوده الاستثمارات الخاصة، بالتوازي مع إصلاحات أعمق في إدارة الدين ودور الدولة في الاقتصاد.