عندما نتحدث عن الهيدروجين الأخضر، غالبًا ما ينصرف التفكير إلى استخدامه كوقود نظيف أو إلى تصديره إلى الأسواق العالمية. إلا أن القيمة الحقيقية للهيدروجين الأخضر قد تتجاوز مجرد تصديره كمنتج للطاقة، لتصل إلى استخدامه كمدخل رئيسي في صناعات ثقيلة يصعب خفض انبعاثاتها، وفي مقدمتها صناعة الحديد والصلب. وهنا تظهر فكرة الحديد الأخضر (Green Iron) والصلب منخفض الانبعاثات . (Low-Emission Steel)
والفكرة ببساطة هي استخدام الهيدروجين الأخضر بدلًا من الوقود الكربوني التقليدي في مرحلة اختزال خام الحديد، ثم استخدام الكهرباء منخفضة الانبعاثات في صهر الحديد وإنتاج الصلب. وبذلك يمكن أن تتحول الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في مصر من مجرد مصادر لإنتاج الكهرباء إلى أساس لسلسلة صناعية متكاملة تبدأ بالطاقة المتجددة وتنتهي بمنتج صناعي قابل للتصدير.
كيف تبدأ رحلة الحديد الأخضر؟
تبدأ رحلة الحديد الأخضر من موارد مصر الكبيرة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ويمكن استخدام هذه الموارد لإنتاج الكهرباء المتجددة. وتستخدم هذه الكهرباء في تشغيل وحدات التحليل الكهربائي للمياه Electrolysis، حيث يتم فصل الماء إلى الهيدروجين والأكسجين. والهيدروجين الناتج بهذه الطريقة، عندما تعتمد عملية إنتاجه على مصادر متجددة وفق متطلبات الاستدامة ذات الصلة، يعرف باسم "الهيدروجين الأخضر". لكن أهمية الهيدروجين لا تتوقف عند إنتاجه فبدلًا من تصديره فقط، يمكن استخدامه داخل مصر كوقود صناعي وعامل اختزال لإنتاج الحديد.
في الطريقة التقليدية لإنتاج الحديد، يعتمد اختزال خام الحديد بدرجة كبيرة على الكربون ومشتقاته، وهو ما يؤدي إلى انبعاثات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون. أما في المسار القائم على الهيدروجين، فيتم إدخال خام الحديد إلى وحدة تعرف باسم وحدة الحديد المختزل مباشرة بالهيدروجين (H₂-DRI) وفي هذه الوحدة يستخدم الهيدروجين لاستخلاص الأكسجين من أكاسيد الحديد. وبصورة مبسطة يمكن التعبير عن التفاعل كالتالي : حيث
أن الهيدروجين يتحد مع الأكسجين الموجود في خام الحديد، وينتج الماء بدلًا من الاعتماد على الكربون لإتمام عملية الاختزال وينتج عن هذه المرحلة الحديد المختزل المباشر DRI وهو المادة الأساسية التي يمكن استخدامها في المرحلة التالية لإنتاج الصلب.
بعد إنتاج الحديد المختزل، تأتي مرحلة الصهر حيث يتم إدخال الـ DRI إلى فرن القوس الكهربائي (EAF)، وفيه يتم صهر الحديد باستخدام الكهرباء، مع إضافة المواد اللازمة للوصول إلى التركيب والمواصفات المطلوبة للصلب. وعندما تعتمد الكهرباء المستخدمة في هذه المرحلة بدرجة كبيرة على مصادر منخفضة الانبعاثات، يصبح بالإمكان تحقيق خفض كبير في البصمة الكربونية لسلسلة إنتاج الحديد والصلب. وبذلك تصبح رحلة المنتج واضحة من الطاقة الشمسية والرياح الي الكهرباء المتجددة الي الهيدروجين الأخضر الي الحديد المختزل الي الصلب منخفض الانبعاثات. لكن الأهم أن هذه ليست مجرد سلسلة تكنولوجية، وإنما يمكن أن تتحول إلى سلسلة ذات قيمة صناعية جديدة.
لكن لماذا ننتج الحديد بدلًا من تصدير الهيدروجين فقط؟ وهذه هي النقطة الاقتصادية الأهم. يمكن للدولة أن تنتج الهيدروجين الأخضر وتصدره إلى الأسواق الخارجية، سواء بصورة مباشرة أو بعد تحويله إلى الأمونيا الخضراء أو غيرها من مشتقات الهيدروجين. لكن هناك خيارًا آخر يتمثل في استخدام جزء من الهيدروجين داخل الدولة لإنتاج منتجات صناعية ذات قيمة مضافة وهذه هي هذه هي النقطة الاقتصادية الأهم. وهذا يعني أن جزءًا أكبر من القيمة الاقتصادية لسلسلة الهيدروجين يمكن أن يبقى داخل الاقتصاد المحلي.
وتجتمع في مصر مجموعة من العناصر التي تجعلها مؤهلة لهذا المسار. أولها توافر موارد كبيرة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وهي الأساس لإنتاج الهيدروجين الأخضر. وثانيها وجود صناعة حديد وصلب وقاعدة صناعية يمكن البناء عليها وتطويرها. وثالثها الموقع الجغرافي الذي يضع مصر بالقرب من الأسواق الأوروبية، بالإضافة إلى امتلاكها موانئ على البحرين المتوسط والأحمر وقناة السويس التي تمثل أحد أهم ممرات التجارة العالمية. كما أن القرب النسبي من أوروبا يمكن أن يمثل ميزة في تصدير المنتجات الصناعية منخفضة الانبعاثات، وليس فقط تصدير الطاقة.
تتجه الأسواق العالمية، وبصفة خاصة السوق الأوروبية، إلى إعطاء أهمية متزايدة للبصمة الكربونية للمنتجات الصناعية. وقد دخلت آلية تعديل الكربون على كافة الحدود الأوروبية Carbon Border Adjustment Mechanism (CBAM) مرحلتها النهائية في 1 يناير 2026، وتشمل قطاعات من بينها الحديد والصلب منخفض الانبعاثات وهذا يخلق أهمية متزايدة لقدرة المنتجين على إثبات مستوى الانبعاثات المرتبطة بمنتجاتهم. وبالتالي فإن إنتاج الحديد والصلب منخفض الانبعاثات لا يمثل فقط قضية بيئية، وإنما يمكن أن يصبح عنصرًا من عناصر التنافسية الصناعية والتجارية في الأسواق الدولية.
الخلاصة
إن إنتاج الحديد باستخدام الهيدروجين الأخضر يمثل أحد أكثر التطبيقات الصناعية وضوحًا لفكرة تحويل الطاقة المتجددة إلى قيمة اقتصادية. وبالنسبة لمصر، فإن أهمية هذا المسار لا تكمن فقط في إنتاج هيدروجين أخضر أو تصديره، وإنما في إمكانية استخدامه كقاعدة لتطوير صناعة تصديرية جديدة ذات قيمة مضافة. ومن هنا يمكن صياغة الرؤية بصورة أبسط: مصر لا تملك فقط فرصة لإنتاج الهيدروجين الأخضر؛ بل تملك فرصة لاستخدام الهيدروجين الأخضر لإنتاج صناعات خضراء مثل الصلب منخفض الانبعاثات. وهذا هو الانتقال الحقيقي من تصدير الطاقة المتجددة إلى تصدير القيمة الصناعية الناتجة عنها.