يشهد شرق البحر المتوسط إعادة تشكيل لخريطة تجارة الغاز الطبيعي، في ظل تنامي الاعتماد على البنية التحتية الإقليمية لتسريع عمليات الإنتاج والتصدير.
وفي هذا السياق، يبرز حقل «كرونوس» القبرصي باعتباره أحد أهم مشروعات الغاز الواعدة، ليس فقط لحجم احتياطياته، وإنما لدوره في تعزيز التكامل الاقتصادي بين قبرص ومصر، وترسيخ مكانة القاهرة كمركز إقليمي لمعالجة وتسييل وتصدير الغاز إلى الأسواق العالمية، وفي مقدمتها أوروبا.
ويقع حقل «كرونوس» داخل البلوك رقم (6) بالمنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص، مستندًا إلى اتفاقية ترسيم الحدود البحرية التي وقعتها مصر وقبرص عام 2003، والتي وفرت الإطار القانوني لاستغلال الموارد الطبيعية لكل دولة وفقًا لقواعد القانون الدولي.
واكتشفت شركتا إيني الإيطالية وتوتال إنرجيز الفرنسية الحقل عام 2022، فيما تشير التقديرات إلى احتوائه على أكثر من 3 تريليونات قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، ما يجعله أحد أبرز الاكتشافات في شرق المتوسط خلال السنوات الأخيرة.
ومع انتهاء أعمال التقييم الفني والتجاري في عام 2024، اعتمد الشركاء خطة التطوير النهائية للمشروع، على أن يبدأ الإنتاج التجاري خلال عام 2028، في خطوة تمثل بداية مرحلة جديدة من استغلال احتياطيات الغاز القبرصية.
ورغم أن «كرونوس» يقع بالكامل داخل المياه الاقتصادية لقبرص ولا يمثل حقلًا مشتركًا مع مصر، فإن الاتفاقيات الثنائية بين البلدين منحت القاهرة دورًا محوريًا في سلسلة القيمة الخاصة بالمشروع، مستفيدة من امتلاكها البنية التحتية الأكبر والأكثر جاهزية لتسييل الغاز في شرق المتوسط.
وفي فبراير 2025، وقعت حكومتا مصر وقبرص، إلى جانب شركتي «إيني» و«توتال إنرجيز»، اتفاقية الحكومة المضيفة لتطوير موارد الغاز في البلوك (6)، لتدشين أول مسار لتصدير الغاز القبرصي عبر الأراضي المصرية.
وبموجب الاتفاق، سيتم نقل الغاز المنتج من حقل «كرونوس» إلى منشآت المعالجة في مصر، قبل تسييله في محطة دمياط للغاز الطبيعي المسال، ثم إعادة تصديره إلى الأسواق الأوروبية، وهو ما يوفر على قبرص استثمارات ضخمة كانت ستتطلبها إقامة محطات إسالة مستقلة.
ويمثل المشروع مكاسب اقتصادية مباشرة للطرفين؛ إذ تستفيد قبرص من تسريع عمليات تطوير الحقل والوصول إلى الأسواق العالمية، بينما تحقق مصر عوائد من خدمات نقل الغاز ومعالجته وإسالته، إلى جانب رفع معدلات تشغيل محطات الإسالة وتعزيز دورها كمحور إقليمي لتجارة وتداول الغاز الطبيعي.
وتتزامن هذه التطورات مع استمرار سعي أوروبا إلى تنويع مصادر إمدادات الطاقة وتقليل الاعتماد على الغاز الروسي، وهو ما يمنح مشروعات شرق البحر المتوسط أهمية متزايدة في معادلة أمن الطاقة الأوروبي.
ومن هذا المنطلق، لا تقتصر أهمية حقل «كرونوس» على احتياطياته، بل تمتد إلى كونه نموذجًا للتكامل الإقليمي في قطاع الطاقة؛ إذ توظف قبرص مواردها الطبيعية، فيما تستثمر مصر بنيتها التحتية وخبراتها في الإسالة وإعادة التصدير، بما يعزز القيمة المضافة للطرفين ويدعم تحول شرق البحر المتوسط إلى أحد أبرز مراكز إنتاج وتجارة الغاز الطبيعي خلال السنوات المقبلة.