حرب الموانئ وموجات الحر تدفع القمح لأعلى مستوى في عامين


Sat 18 Jul 2026 | 09:13 AM
محمد سلامة

تشهد أسواق السلع الزراعية موجة جديدة من التقلبات الحادة، بعدما دفعت التوترات الجيوسياسية والظروف المناخية القاسية أسعار القمح العالمية إلى أعلى مستوياتها في عامين، وسط مخاوف متزايدة من تعطل سلاسل الإمداد وتراجع الإنتاج في عدد من كبار المنتجين، بينما امتدت التداعيات إلى الذرة والأسمدة والزيوت النباتية، في وقت تعيد فيه القرارات الحكومية رسم ملامح تجارة المحاصيل والوقود الحيوي عالمياً.

القمح يقفز بفعل اضطرابات البحر الأسود وموجات الحر

واصلت أسعار القمح العالمية صعودها القوي مدفوعة بتزايد المخاوف بشأن انسيابية صادرات الحبوب عبر منطقة البحر الأسود، بعد تصاعد الهجمات على البنية التحتية للموانئ وتأثر حركة الشحن في بحر آزوف، الأمر الذي زاد من الضغوط على تجارة الحبوب الأوكرانية.

وفي الوقت نفسه، أدت موجات الحر الشديدة التي تضرب الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إلى خفض توقعات إنتاج القمح، مع تراجع تقديرات المحاصيل في أوروبا والمملكة المتحدة، فيما قلصت وزارة الزراعة الأمريكية توقعاتها لإنتاج القمح المحلي، ما عزز المخاوف من تشديد الإمدادات خلال الموسم الحالي.

الذرة تستفيد من مخاوف المحاصيل

امتدت موجة الارتفاع إلى أسواق الذرة، مع تصاعد القلق بشأن تضرر المحاصيل في غرب أوروبا وأجزاء من الولايات المتحدة، وهو ما دفع العديد من المطاحن الآسيوية إلى دراسة زيادة الاعتماد على الذرة كبديل للحبوب الأخرى.

كما خفض مجلس الحبوب الدولي توقعاته لإنتاج الذرة العالمي خلال موسم 2026-2027، في إشارة إلى استمرار الضغوط على سوق الحبوب العالمية.

الصويا مستقرة والأرز يواصل الصعود

في المقابل، حافظت أسعار فول الصويا على استقرارها بدعم من توقعات إنتاج قياسية في البرازيل والولايات المتحدة، وسط وفرة في الإمدادات العالمية، فيما سجلت واردات الصين من الصويا مستوى قياسياً خلال يونيو الماضي مدفوعة بالإمدادات البرازيلية.

أما الأرز، فواصل مكاسبه مدعوماً بقرار الهند رفع الحد الأدنى لأسعار الشراء الحكومية، إلى جانب المخاوف المرتبطة بموسم الرياح الموسمية، واستمرار الطلب القوي في الأسواق الآسيوية، خاصة من الفلبين التي عززت وارداتها بصورة قياسية.

اضطرابات الملاحة تدعم أسعار الأسمدة

انعكست التوترات الجيوسياسية أيضاً على أسواق الأسمدة، حيث دعمت المخاوف بشأن حركة الملاحة عبر مضيق هرمز تعافي أسعار اليوريا، مع تباطؤ حركة الشحن وارتفاع تكاليف النقل البحري.

وفي المقابل، تراجعت الأسعار الفورية للكبريت في الشرق الأدنى بعد موجة ارتفاعات قياسية، بينما أسهمت برامج الدعم الزراعي في فرنسا في زيادة الطلب على الأسمدة النيتروجينية.

كما ساهمت التطورات الأمنية في منطقة البحر الأسود في زيادة الضغوط على سلاسل الإمداد، بعدما أدى تعليق حركة الشحن في قناة دون-آزوف إلى ارتفاع تكاليف الخدمات اللوجستية، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى البحر الأحمر باعتباره أحد أبرز بؤر المخاطر التي قد تؤثر على التجارة العالمية.

الزيوت النباتية والوقود الحيوي يستفيدان من النفط والقرارات التنظيمية

سجلت العقود الآجلة لزيت النخيل ارتفاعاً ملحوظاً بدعم من صعود أسعار النفط الخام وتحسن أداء الزيوت النباتية، فيما ساهمت سياسات الوقود الحيوي في الولايات المتحدة في تعزيز الطلب على الديزل الحيوي الأوروبي.

وفي البرازيل، أقرت الحكومة حزمة من الإجراءات التنظيمية شملت استبعاد الديزل الحيوي المستورد من احتساب نسب الخلط الإلزامية، مع السماح بزيادة نسب الخلط الطوعية، إضافة إلى رفع نسبة خلط الإيثانول في البنزين مؤقتاً من 30% إلى 32%.

وفي آسيا، واصلت الحكومات تعديل سياساتها الزراعية، إذ سمحت الصين للمعاصر الخاصة باستيراد بذور الكانولا الأسترالية، بينما كثفت الهند جهودها لتوسيع مشروعات الزراعة المتداخلة لقصب السكر والذرة بهدف تأمين إمدادات مستقرة من المواد الخام اللازمة لإنتاج الإيثانول.

أسواق الغذاء أمام مرحلة جديدة من التقلبات

تعكس التطورات الأخيرة تزايد الترابط بين العوامل المناخية والجيوسياسية في تحديد اتجاهات أسواق السلع الزراعية، حيث باتت موجات الطقس المتطرف، إلى جانب اضطرابات الممرات البحرية والسياسات التجارية، عوامل رئيسية في تسعير الحبوب والزيوت والأسمدة. ويترقب المتعاملون خلال الفترة المقبلة تطورات الإنتاج في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، إلى جانب مسار الأوضاع الأمنية في البحر الأسود والشرق الأوسط، باعتبارهما المحدد الأبرز لاتجاهات الأسعار العالمية.