الاقتصاد المصري أمام اختبار الربع المقبل.. التضخم يتراجع والفائدة تترقب نقطة التحول


Sat 11 Jul 2026 | 04:21 PM
محمد سلامة

يدخل الاقتصاد المصري مرحلة مفصلية مع بداية النصف الثاني من عام 2026، في ظل مؤشرات إيجابية تعكس تباطؤ وتيرة التضخم العام، مقابل استمرار الضغوط في التضخم الأساسي، وهو ما يدفع البنك المركزي إلى الإبقاء على نهجه الحذر في إدارة السياسة النقدية. وبين تحسن أسعار الغذاء واستقرار سوق الصرف، تترقب الأسواق ما إذا كانت الأشهر المقبلة ستشهد بداية دورة جديدة لخفض أسعار الفائدة، بما ينعكس على الاستثمار والتمويل والنشاط الاقتصادي.

أظهرت أحدث بيانات التضخم في مصر تحسناً نسبياً في وتيرة ارتفاع الأسعار خلال يونيو، مدعومة بانخفاض أسعار عدد من السلع الغذائية، إلا أن استمرار ارتفاع التضخم الأساسي يعكس بقاء الضغوط السعرية في قطاعات رئيسية، ما يعزز توقعات استمرار البنك المركزي المصري في تبني سياسة نقدية حذرة خلال الفترة المقبلة.

ووفقاً لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، تراجع معدل التضخم السنوي لإجمالي الجمهورية إلى 12.2% في يونيو مقابل نحو 13% في مايو، بينما سجل التضخم في المدن 14.3%، مستفيداً من التراجع الموسمي في أسعار بعض السلع الغذائية، خاصة الخضروات واللحوم والدواجن.

كما انخفض الرقم القياسي لأسعار المستهلكين على أساس شهري بنسبة 0.9%، في إشارة إلى تحسن نسبي في مستويات المعروض من السلع الغذائية، وهو ما ساهم في تخفيف الضغوط على المستهلكين خلال الشهر.

ورغم هذا التراجع، لا تزال مؤشرات التضخم الأساسي تمثل مصدر قلق لصناع السياسة النقدية، إذ ارتفع المعدل السنوي إلى 14.3%، ما يشير إلى استمرار الضغوط المرتبطة بتكاليف الخدمات والإيجارات والسلع غير الغذائية، بعيداً عن التأثيرات الموسمية التي تؤثر في أسعار الغذاء.

ويُعد التضخم الأساسي من أهم المؤشرات التي يعتمد عليها البنك المركزي في تقييم الاتجاه الحقيقي للأسعار، نظراً لأنه يستبعد العناصر الأكثر تقلباً، وهو ما يجعل استمرار ارتفاعه مؤشراً على أن الضغوط التضخمية لم تنحسر بصورة كاملة.

وفي هذا الإطار، قررت لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري الإبقاء على أسعار الفائدة الأساسية دون تغيير، ليستقر سعر عائد الإيداع عند 19% وسعر الإقراض عند 20%، في إطار سياسة تستهدف ترسيخ استقرار الأسعار والحفاظ على جاذبية الأصول المقومة بالجنيه، إلى جانب دعم استقرار الأسواق المالية.

ويترقب البنك المركزي تطورات عدد من المتغيرات المحلية والخارجية قبل اتخاذ أي قرار بشأن تعديل أسعار الفائدة، وفي مقدمتها مسار التضخم الأساسي، وأسعار الطاقة العالمية، وتكاليف الإنتاج، إلى جانب تطورات سوق الصرف وتدفقات النقد الأجنبي.

وتشير التقديرات إلى أن تحسن المعروض من السلع الغذائية قد يواصل دعم استقرار الأسعار خلال الأشهر المقبلة، إلا أن المخاطر لا تزال قائمة، خاصة مع استمرار التقلبات في أسواق الطاقة العالمية وما قد تفرضه من ضغوط على تكاليف النقل والإنتاج، فضلاً عن تأثير أي تغيرات في أسعار الصرف على تكلفة الواردات.

ويرى محللون أن الربع المقبل سيكون حاسماً في رسم ملامح السياسة النقدية، إذ إن استمرار تراجع التضخم الأساسي واستقرار سوق الصرف وتحسن تدفقات النقد الأجنبي قد يفتح المجال أمام بدء دورة تدريجية لخفض أسعار الفائدة، بما يعزز الاستثمار ويخفض تكلفة التمويل على الشركات والقطاع الخاص.

وفي المقابل، فإن استمرار الضغوط التضخمية أو تعرض الأسواق العالمية لصدمات جديدة قد يدفع البنك المركزي إلى الإبقاء على مستويات الفائدة الحالية لفترة أطول، حفاظاً على استقرار الأسعار وتعزيز الثقة في الاقتصاد.

ويعكس المشهد الاقتصادي الحالي توازناً دقيقاً بين مؤشرات التحسن والتحديات القائمة؛ فبينما يشير تباطؤ التضخم العام إلى بداية استعادة الاستقرار السعري، يبقى التضخم الأساسي العامل الأكثر تأثيراً في قرارات السياسة النقدية. ومن ثم، ستكون بيانات الأشهر المقبلة هي المحدد الرئيسي لاتجاه أسعار الفائدة، ومستقبل الاستثمار، وتكلفة التمويل، ومسار النمو الاقتصادي في مصر خلال الفترة القادمة.