أعتقد أن الشاعر الغنائي والناقد الفني الشهير "جليل البنداري"عندما إنتهى من قصة فيلم "لوعة الحب"، لم يكن يتخيل أن سيناريو الفيلم الذي أبدعه "السيد بدير"، وتناوله المخرج الفذ الذي يلقب بمخرج الواقعية "صلاح أبوسيف" عن هذه القصة الرومانسية، سيصنع أحد أهم الأفلام ذات الصبغة الإجتماعية، والتي صورت جانباً مهماً من حياة فريق من أصحاب “الياقات الزرقاء” الذين حققت مصر على أيديهم في منتصف القرن الماضي قفزات إقتصادية هائلة، وكشفت جانباً كبيراً من التفاصيل الدقيقة التي امتلكت فيها هذه الأسرة البسيطة في ذلك الزمان كل عناصر ومناحي الحياة الكريمة المستقرة من مسكن وملبس ومطعم وسبل علاج وأمان وضمان، وناقشت في هدوء وعمق بعض العلاقات الأسرية وما قد تعتريها من جوانب نفسية وثقافية متوارثة .
وعلى طريقة "وبضدها تتميز الأشياء"، أبهرنا مخرج الواقعية "أبو سيف" بالمتناقضات المختلفة في هذا الفيلم، حين صنع لنا مزيجاً عجيباً من الرومانسية والواقعية، من الرقة والغلظة، من الإنضباط والرعونة، من الإندفاع والتفكر، من إعمال القلب والعقل، وكأنه قد ألقى أمامنا - حسب تعبير إبن زيدون- بقطعة من الزبد في حفنة من القار .
فقد فاجأنا مع نهاية التتر -دون مقدمات- بحفل زواج الآنسة "آمال" أو النجمة الذهبية دلوعة الشاشة "شادية"، على بطل الفيلم "محمود أفندي" سائق القطار، أو النجم المتألق "أحمد مظهر".
إبنة سائق قطار من الطبقة المتوسطة بأحياء القاهرة الشعبيّة العريقة، تتمتع بقسط وافر من الرقة والدلال، تتزوج من سائق قطار من نفس مهنة والدها، حفل زفافها يشابه حفل زفاف معظم فتيات المدينة في تلك الحقبة، صديقاتها الآنسات من مستويات اجتماعية مختلفة ومتقاربة، أنيقات لا تنقصهن الحرية أو الإنطلاق، نلن قسطاً تعليمياً متميزاً، ويستخدمن في أحاديثهن -كمثلهن من الشباب- بعض العبارات الأفرنجية الخفيفة المرحة.
تقطن "امال" مع زوجها في منزل رحب مناسب للغاية، بحي "الشرابية" القريب من مقر عمله في محطة سكك حديد مصر، دائماً ما ترتدي زياً أنيقاً، وتمتلك في مشهد "دولابها" المقصود، أعداداً أخرى متنوعة من الأزياء، الزهور تملأ منزلها المرتب النظيف، وقطتها تنعم بمعاملة رقيقة، وتبادلها أحياناً حديثاً وأشجاناً، وسيدة شابة تساعدها في أعمال المنزل، وكثيراً ما تكون لها مؤنسة و عليها حفيظة .
زوجها سائق قطار يعرفونه منضبطاً، ماهراً، مثالاً للكفاءة والإلتزام في عمله، يحفظ بدقة متناهية أرقام ومواقيت وصول القطارات، و دائماً مايبدو فظاً غليظ القلب في منزله، فانفض الأهل من حوله، ينعكس تعامله مع الآلات الصماء وطبيعة عمله القلق المتوتر على تعاملاته، يفتقد إلى أدنى درجات اللياقة وحسن المعشر، أنيق في ملبسه، منفق بإسراف على ملذاته في حانة "مانولي".
يتقاضى راتباً شهرياً كبيراً بحسابات ذلك العصر، قد يزيد على ثلاثين جنيهاً ، ومكافأة إضافية قيمتها مليماً واحداً عن كل كيلو متر يقطعه بالقطار عند وصوله في الوقت المحدد، مما يجعل يومه عبارة عن مصفوفة رقمية محددة تتضاءل إلي جوارها ملامح ودفء المشاعر الإنسانية.
"حسن سالم" العطشجي ، الذي قام بأحد أفضل أدواره في السينما المصرية النجم العالمي "عمر الشريف"، صراع نفسي ووجداني عنيف، بين وفائه لرئيسه في العمل، ومشاعر وأحاسيس قد غلبته تجاه قرينته، إبتسامه خجولة لم تفارق وجهه رسم بها كل مايدور في نفسه، وقد قام بالآداء بهدوء وبراعة دون أي تزيد أو انفعال مزيف.
روعة الفن والإبداع السينمائي في مصر، وموهبة وخبرات وتألق نجوم الزمن الجميل، جعلتنا نتابع قصة رومانسية تصطدم فيها المشاعر بالمبررات، وتختلف حولها الآراء والأعذار، وتقدم من خلالها رسائل حياتية صادقة مؤلمة، وضعتنا أمام طرق متفرقة، وتركت لنا حرية اختيار أي طريق يؤدي بنا إلى نهاية نريدها مختلفة. وجعلت التوقعات مفتوحة. ثم في النهاية نصرت منطقاً واقعياً صحيحاً، صاحبه تغيير واضح في سلوك وتعامل قائد القطار مع كل قاطني المنزل، من الزوجة ووالدتها والمساعدة المنزلية إلى الهرة الصغيرة الحائرة، سانده في ذلك متغيران جديدان، زوجة صديق له رحلت ورأى في عيني صديقه دموع الندم، ومولود مرتقب يحل بعد بضع شهور، قد يغير من شكل الأسرة، ويضفي عليها بهجة وسعادة وأمل منشود .
ورغم استحالة تلاقي قضبان السكك الحديدية المتوازية ، الذي كان أحدهما رمزاً للرومانسية سارت عليه "آمال"، والآخر جسَّد الواقعية والجفاء سلكه "محمود افندي" .
إلا أن المخرج العبقري "صلاح أبو سيف" قد إستطاع ببراعة شديدة، وبسحر غيَّب كل قواعد العلم والهندسة، أن يجعل القضبان المتوازية التي يسير عليها القطار أن تتلاقى، وان يصبح وكأنه "مونوريل" بسبب”لوعة الحب".