يشهد سوق العمل العالمي تحولًا جذريًا غير مسبوق مع تسارع اعتماد الشركات الكبرى على تقنيات الذكاء الاصطناعي، في موجة وُصفت بأنها الأكبر منذ الجائحة العالمية. فمع نهاية عام 2025، كشفت تقارير دولية عن تسريح نحو 1.17 مليون موظف، وسط ضغوط تضخمية وارتفاع تكاليف التشغيل والرسوم الجمركية، ما دفع المؤسسات إلى البحث عن حلول سريعة لخفض النفقات، يتصدرها استبدال الوظائف البشرية بالخوارزميات الذكية.
تشير دراسات صادرة عن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) إلى أن الذكاء الاصطناعي بات قادرًا على خفض تكاليف الأجور بنحو 1.2 تريليون دولار، من خلال أداء مهام تمثل 11.7% من إجمالي سوق العمل الأميركي، وهو ما يفسر تسارع قرارات تقليص العمالة في قطاعات التكنولوجيا والخدمات.
لكن هذه الرواية لا تمر دون تشكيك؛ إذ يرى عدد من الخبراء، من بينهم البروفيسور فابيان ستيفاني، أن الذكاء الاصطناعي أصبح في كثير من الحالات ذريعة إدارية لتبرير تصحيح أخطاء التوظيف المبالغ فيها خلال سنوات الجائحة. ويدعم هذا الطرح وصول عدد الوظائف الملغاة في نوفمبر وحده إلى 71 ألف وظيفة، لم يُنسب منها سوى 6 آلاف وظيفة مباشرة إلى الذكاء الاصطناعي، ما يعكس فجوة واضحة بين التأثير التقني الحقيقي وحجم التخفيضات الفعلية.
خريطة التسريحات في كبرى شركات التكنولوجيا:
أمازون: إلغاء 14 ألف وظيفة إدارية في أكبر جولة تسريح بتاريخها، ضمن إعادة هيكلة تهدف إلى نماذج تشغيل أكثر رشاقة.
مايكروسوفت: تسريح 15 ألف موظف في إطار تحولها إلى منصة ذكاء اصطناعي شاملة تتجاوز البرمجيات التقليدية.
سيلزفورس: تقليص فرق دعم العملاء من 9 آلاف إلى 5 آلاف موظف بعد أن تولت الأنظمة الذكية نحو 50% من المهام.
آي بي إم: استبدال مئات موظفي الموارد البشرية بروبوتات محادثة، مع التركيز على توظيف مهارات التفكير التحليلي.
كراود سترايك ووركداي: خفض القوى العاملة بنسبة تراوح بين 5% و8.5% لإعادة توجيه الاستثمارات نحو البنية التحتية الذكية.
ولا تقف التحديات عند حدود الأتمتة، إذ تواجه شركات التكنولوجيا تشديدًا في سياسات الهجرة الأميركية، بعد فرض رسوم تصل إلى 100 ألف دولار على طلبات تأشيرات H-1B الجديدة، إلى جانب تشديد الرقابة على المتقدمين. هذه الإجراءات تضع الشركات بين الحاجة الماسة للمواهب الأجنبية عالية المهارة وارتفاع التكلفة، ما يعزز التوجه نحو الذكاء الاصطناعي كبديل استراتيجي لتقليص الاعتماد على العمالة المهاجرة.
تعكس موجة التسريحات الحالية إعادة هيكلة عميقة في نموذج سوق العمل العالمي، حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة دعم، بل أصبح عنصرًا حاسمًا في قرارات التشغيل والاستثمار. وبينما يوفر مكاسب إنتاجية ضخمة للشركات، فإنه يطرح تحديات اجتماعية واقتصادية كبرى، تتطلب سياسات جديدة لإعادة تأهيل العمالة وضمان توازن مستدام بين التكنولوجيا والوظائف البشرية.