تواجه مساعي انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي تحديًا اقتصاديًا متزايدًا يتعلق بحجم قطاعها الزراعي، مع بحث المفوضية الأوروبية مقترحات قد تفرض قيودًا على استفادة كييف من السوق الزراعية الموحدة وبرامج الدعم الزراعي الأوروبية بعد العضوية.
وتأتي هذه المقترحات، وفق ما نقلته صحيفة فايننشال تايمز عن وثيقة داخلية للمفوضية الأوروبية، في ظل مخاوف لدى دول زراعية رئيسية، بينها بولندا وفرنسا وإيطاليا، من أن يؤدي دخول المنتجات الزراعية الأوكرانية إلى زيادة الضغوط التنافسية على مزارعيها، فضلًا عن تداعيات انضمام مساحة زراعية ضخمة إلى منظومة الدعم الأوروبية.
55 مليار يورو سنويًا تحت المجهر
وتشير المقترحات إلى احتمال عدم حصول أوكرانيا، فور انضمامها، على وصول كامل وغير مشروط إلى السوق الزراعية الأوروبية أو إلى برامج الدعم التابعة للسياسة الزراعية المشتركة، التي تبلغ قيمتها نحو 55 مليار يورو سنويًا وفق الأرقام التي أوردها التقرير.
وتستند المخاوف الأوروبية بصورة أساسية إلى الحجم الكبير للقطاع الزراعي الأوكراني وإمكاناته الإنتاجية، في وقت لم يتحدد فيه بعد نطاق القيود المقترحة أو المدة التي يمكن أن تستمر خلالها.
كما تبحث بروكسل وضع ترتيبات خاصة للقمح وغيره من الحبوب، بما قد يفرض قيودًا على مستوى الدعم المالي وإمكانية الوصول إلى الأسواق الأوروبية بالنسبة لهذه المنتجات.
أوكرانيا تبحث استعادة أسواقها التقليدية
وفي المقابل، تتضمن الرؤية الأوروبية مساعدة أوكرانيا على استعادة أسواق تصديرها التقليدية، التي تضررت بشدة نتيجة الحرب الروسية على أوكرانيا.
ويعكس ذلك محاولة لتحقيق توازن بين حماية السوق الزراعية الأوروبية من اضطرابات محتملة، ودعم قدرة القطاع الزراعي الأوكراني على استعادة دوره في التجارة العالمية.
ومن المقرر أن يناقش مسؤولون كبار في المفوضية الأوروبية هذه المقترحات، وفق التقرير، في إطار إصلاح أوسع لسياسة توسع الاتحاد الأوروبي.
ومع ذلك، لا تمثل هذه المقترحات الشروط النهائية لانضمام أوكرانيا، إذ لم تحسم بعد تفاصيل الترتيبات المتعلقة بالقطاع الزراعي، كما لم تعلق المفوضية الأوروبية رسميًا على الوثيقة الداخلية المشار إليها.
41.3 مليون هكتار تثير مخاوف المزارعين الأوروبيين
تكشف البيانات الزراعية عن حجم التحدي الذي تواجهه بروكسل. فقد بلغت مساحة الأراضي الزراعية في أوكرانيا نحو 41.3 مليون هكتار عام 2020، منها حوالي 32.7 مليون هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة.
وفي المقابل، تصل مساحة الأراضي الزراعية المستخدمة في الاتحاد الأوروبي إلى نحو 157 مليون هكتار.
ويعني إدماج الأراضي الزراعية الأوكرانية في منظومة السياسة الزراعية المشتركة زيادة كبيرة في قاعدة الأراضي التي يمكن أن تنافس على الموارد المالية نفسها، خصوصًا أن جزءًا مهمًا من الدعم الزراعي الأوروبي يرتبط بالمساحة الزراعية.
وبالتالي، فإن انضمام أوكرانيا لا يطرح تحديًا يتعلق بتدفق المنتجات الزراعية فحسب، بل يثير أيضًا سؤالًا حول كيفية إعادة توزيع المخصصات الزراعية الأوروبية في ظل اتساع عدد المستفيدين.
مخاوف من ضغط إضافي على الموازنة الزراعية
وتتزايد مخاوف المزارعين الأوروبيين من أن يؤدي استمرار الموازنة الحالية للسياسة الزراعية المشتركة، بالتزامن مع دخول أوكرانيا، إلى توزيع الموارد نفسها على مساحة أكبر.
ونقل التقرير عن فيليب براندله من رابطة الزراعة الألمانية قوله في أبريل إن نظام الدعم الحالي للسياسة الزراعية المشتركة لن يكون قابلًا للتمويل بصورته الحالية إذا انضمت أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي.
ورغم تأييد الرابطة لانضمام أوكرانيا إلى أوروبا من حيث المبدأ، فإنها ترى أن حجم القطاع الزراعي الأوكراني يجعل إصلاح منظومة الدعم الأوروبية أمرًا ضروريًا.
التوسع قد يفتح أسواقًا جديدة للشركات الأوروبية
في المقابل، لا ينظر جميع الاقتصاديين إلى زيادة المنافسة الزراعية باعتبارها عبئًا فقط.
ويرى الخبير الاقتصادي الزراعي توماس هرتسفيلد، من معهد لايبنيتس للتنمية الزراعية في هاله، أن توسع الاتحاد الأوروبي يمكن أن يعزز موقع أوروبا في أسواق الزراعة العالمية، إلى جانب فتح أسواق جديدة أمام الشركات الألمانية المنتجة للآلات الزراعية والمعدات والمستلزمات المرتبطة بالقطاع.
كما يشير إلى أن المنافسة مع المنتجين الأوكرانيين موجودة بالفعل، وأن الأسعار الزراعية تتأثر بصورة متزايدة بالتطورات في الأسواق العالمية، وليس فقط بعوامل العرض والطلب المحلية.
تشديد ربط أموال الاتحاد بالإصلاحات
ولا تقتصر التغييرات المقترحة على الملف الزراعي، إذ تتضمن الوثيقة، وفق التقرير، توجهًا نحو تشديد آليات الالتزام بقواعد الاتحاد الأوروبي.
وتبحث المفوضية ربط الحصول على أموال الاتحاد الأوروبي بدرجة أكبر بتنفيذ الإصلاحات القانونية والمالية، مع الإبقاء على إمكانية فرض عقوبات مالية وقانونية بعد الانضمام لضمان التزام الدول الجديدة بتعهداتها.
كما تتضمن المقترحات تسهيل وتسريع الإجراءات المتعلقة بإمكانية سحب حقوق التصويت من الدول الأعضاء التي لا تلتزم بالتزاماتها الأوروبية.
مسار التوسع بلا جدول زمني نهائي
وتواصل بروكسل في الوقت نفسه العمل على دفع مفاوضات التوسع، بعدما جرى بحث خرائط طريق تتعلق بأوكرانيا ومولدوفا والجبل الأسود وألبانيا، بهدف تحديد أهداف الإصلاح والخطوات المقبلة في مسارات الانضمام. لكن هذه الخرائط، وفق التقرير، لا تتضمن مواعيد نهائية ثابتة للانضمام.
وبذلك، يبدو أن القطاع الزراعي سيكون أحد الملفات الاقتصادية الأكثر حساسية في مفاوضات عضوية أوكرانيا، ليس فقط بسبب حجم الإنتاج الأوكراني، وإنما أيضًا بسبب تأثير دخول ملايين الهكتارات الزراعية الجديدة على آليات تمويل السياسة الزراعية المشتركة وتوازن المصالح بين المزارعين في الدول الأعضاء والقطاع الزراعي الأوكراني.