الذكاء الاصطناعي يعيد رسم خريطة التجارة بين الصين وآسيان.. 744.4 مليار دولار في 7 أشهر


Fri 02 Oct 2026 | 06:11 PM
محمد سلامة

تدخل العلاقات التجارية بين الصين ورابطة دول جنوب شرق آسيا «آسيان» مرحلة جديدة، مع انتقال الذكاء الاصطناعي من نطاق التجارب والعروض التقنية إلى الاستخدام المباشر في المبيعات والتسويق والزراعة والخدمات اللوجستية والصحة والطاقة، بالتزامن مع نمو قوي في حجم التجارة بين الجانبين، التي تجاوزت تريليون دولار خلال العام الماضي.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة «تشاينا ديلي»، ارتفعت قيمة التجارة بين الصين ودول آسيان خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الجاري بنسبة 24.7% على أساس سنوي لتصل إلى 744.41 مليار دولار، وفق بيانات الجمارك الصينية، في مؤشر على تنامي أهمية المنطقة كشريك تجاري واقتصادي رئيسي للصين.

الذكاء الاصطناعي يعزز المبيعات في السوق التايلاندية

وتكشف تجربة لشركة في منطقة قوانجشي جنوب الصين عن الدور المتنامي للذكاء الاصطناعي في دعم التجارة عبر الحدود.

فقد استعانت الشركة بنظام للذكاء الاصطناعي لتحليل بيانات التجارة الإلكترونية في تايلاند قبل طرح مروحة محمولة في السوق، وتمكن النظام من تحديد عاملين رئيسيين يتوافقان مع تفضيلات المستهلكين التايلانديين، هما انخفاض مستوى ضوضاء المحرك وطول عمر البطارية.

وأسهم توظيف هذه التحليلات في زيادة مبيعات الشركة بنسبة 300%، بما يعكس قدرة أدوات الذكاء الاصطناعي على تحويل بيانات المستهلكين إلى قرارات تسويقية قابلة للتنفيذ.

من ترجمة اللغة إلى فهم سلوك المستهلك

ولا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على معالجة الفروق اللغوية بين الأسواق. فبحسب التقرير، ساعدت التكنولوجيا مقدمي البث التجاري المباشر على فهم تفضيلات المستهلكين والفروق الثقافية بصورة أعمق.

وتقول وي تشياومي، وهي مقدمة بث مباشر تبلغ من العمر 23 عامًا، إن معرفة اللغة المحلية لا تعني بالضرورة فهم السوق، مشيرة إلى أن الذكاء الاصطناعي ساعدها على الانتقال من مجرد ترجمة المحتوى إلى تقديم المنتجات بأسلوب أكثر ملاءمة للجمهور المحلي.

وقامت الشركة بتدريب نموذج الذكاء الاصطناعي الخاص بها على لغات دول آسيان، إلى جانب بيانات حول تفضيلات المستهلكين والفروق الثقافية، ليتمكن من تحليل المنتجات، ومعالجة تقييمات العملاء، وإعداد نصوص مخصصة للبث المباشر.

ورغم توسع الاعتماد على التكنولوجيا، لا يزال العنصر البشري حاضرًا في عملية البيع، إذ يتولى مقدمو البث تحديد توقيت تغيير أسلوب العرض، والإجابة عن الأسئلة المعقدة، واختيار النقاط التي تستحق التركيز عليها أثناء التفاعل مع المستهلكين.

التجارة الصينية مع آسيان تتجاوز تريليون دولار

ويأتي التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي بالتزامن مع النمو المتسارع للعلاقات التجارية بين الصين وآسيان.

وبحسب البيانات الواردة في التقرير، تجاوز حجم التجارة بين الجانبين تريليون دولار خلال العام الماضي، بما يعادل نحو 7.1 تريليون يوان، قبل أن تسجل التجارة خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الجاري 744.41 مليار دولار، بزيادة سنوية قدرها 24.7%.

ويرتبط هذا النمو، وفق التقرير، بالتوسع في استخدام تقنيات الحوسبة المتقدمة في عدد من القطاعات، من بينها التسويق والزراعة والخدمات اللوجستية والتمويل، ما يفتح مجالات جديدة أمام دمج التكنولوجيا في حركة التجارة الإقليمية.

3400 شركة في معرض الصين وآسيان

وكان الانتقال من استعراض تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى توظيفها في أنشطة تجارية فعلية من أبرز محاور الدورة الثالثة والعشرين من معرض الصين–آسيان وقمة الأعمال والاستثمار بين الصين وآسيان، التي استضافتها مدينة ناننينج، عاصمة منطقة قوانجشي، خلال سبتمبر.

وشارك في فعاليات المعرض أكثر من 3400 شركة، على مساحة عرض إجمالية بلغت 170 ألف متر مربع.

وشهدت الدورة مشاركة تيمور الشرقية للمرة الأولى باعتبارها العضو الحادي عشر في رابطة آسيان، إلى جانب مشاركتها شريكًا رسميًا في استضافة الحدث.

500 منتج للذكاء الاصطناعي في السوق الجديدة

وشهد المعرض إطلاق أول سوق مخصصة للذكاء الاصطناعي، إلى جانب مناطق عرض صُممت وفق احتياجات الأسواق الوطنية في دول آسيان.

وضمت هذه المناطق نحو 500 منتج من أكثر من 70 شركة، موزعة على ثماني فئات، من بينها الأجهزة القابلة للارتداء، وإدارة الصحة، وتكنولوجيا المستهلك، مع إتاحة الفرصة للزوار لتجربة المنتجات وشرائها داخل المعرض.

وقال وانج جيكاي، الأمين العام لأمانة معرض الصين–آسيان، إن الذكاء الاصطناعي كان خلال العام الماضي يُستخدم بدرجة كبيرة كأداة للعرض، بينما بدأ حاليًا في لعب دور مباشر في دفع المبيعات، ليصبح مجالًا جديدًا للتعاون الاقتصادي والتجاري الإقليمي.

تطبيقات تتجاوز التجارة إلى الزراعة والصحة والطاقة

ويمتد استخدام الذكاء الاصطناعي في التعاون بين الصين ودول آسيان إلى قطاعات حيوية أخرى.

ففي لاوس وكمبوديا، تستخدم منصة طورتها شركة من قوانجشي، بالتعاون مع شركاء محليين، صور الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة وأجهزة الاستشعار الأرضية لمراقبة الآفات ودعم زراعة المحاصيل الاستوائية.

وجرى اختبار النظام على مساحة تتجاوز 1333 هكتارًا من المحاصيل، بالاعتماد على التكنولوجيا الصينية والبيانات الميدانية المحلية، إلى جانب برامج التدريب والدعم الفني.

وفي مدينة تشونجتسوه الحدودية بمنطقة قوانجشي، تعاون مركز محلي لمكافحة الأمراض والوقاية منها مع مقاطعات فيتنامية مجاورة لتطبيق منصة ثنائية اللغة للكشف المبكر عن الأمراض، ما أدى إلى تقليص الوقت اللازم لإعداد التقارير الوبائية من 4 ساعات إلى 30 دقيقة.

أما في مجال الطاقة، فتستخدم منصة «رون دو» في ناننينج تقنيات المراقبة عن بُعد لمتابعة نحو 300 ميجاوات من الطاقة الشمسية موزعة على قرابة 3000 موقع في ماليزيا، مع الاعتماد على الطائرات المسيّرة والخوارزميات الذكية بدلًا من عمليات التفتيش اليدوية التقليدية.

الذكاء الاصطناعي يتحول إلى بنية للتجارة الإقليمية

وتشير هذه التطبيقات إلى تحول تدريجي في طبيعة استخدام الذكاء الاصطناعي داخل العلاقات الاقتصادية بين الصين وآسيان؛ فمنصة التكنولوجيا لم تعد تقتصر على عرض المنتجات أو تقديم حلول تجريبية، بل أصبحت تدخل مباشرة في قرارات البيع، وفهم الأسواق، وإدارة المحاصيل، والمراقبة الصحية، وتشغيل مشروعات الطاقة.

ومع استمرار نمو التجارة الثنائية، يبدو أن دمج الذكاء الاصطناعي في سلاسل القيمة الإقليمية يمثل أحد المسارات الرئيسية لتطوير التعاون الاقتصادي بين الصين ودول جنوب شرق آسيا، مع انتقال التكنولوجيا من مرحلة العرض إلى الاستخدام التجاري والتشغيلي المباشر.