بدأ الاتفاق التجاري بين الاتحاد الأوروبي وتكتل ميركوسور في فتح مسارات جديدة أمام الصادرات البرازيلية إلى السوق الأوروبية، مع ظهور مؤشرات على نمو صادرات القهوة وتراجع بعض العقبات أمام منتجات مثل الدجاج والعسل، في وقت لا تزال فيه صادرات اللحوم البقرية تواجه قيودًا مرتبطة بالمعايير الصحية والبيئية الأوروبية. ويعكس ذلك فرصًا متزايدة أمام البرازيل لتعزيز حضورها في أحد أكبر الأسواق العالمية، مقابل التزامات أكثر صرامة تتعلق بالاستدامة وسلامة الغذاء.
شهدت العلاقات التجارية بين البرازيل والاتحاد الأوروبي تطورات جديدة مع بدء ظهور الآثار العملية للاتفاق التجاري بين الاتحاد الأوروبي وتكتل ميركوسور، الذي أُبرم في عام 2026 بعد نحو 25 عامًا من المفاوضات.
وقال جان بيير بو، نائب رئيس وفد الاتحاد الأوروبي في البرازيل، إن الاتفاق بدأ يحقق تقدمًا على المستوى التجاري، رغم استمرار بعض العقبات التي تحول دون دخول عدد من المنتجات البرازيلية إلى السوق الأوروبية بصورة كاملة.
القهوة تقود مكاسب الصادرات البرازيلية
وأشار بو، خلال مشاركته في جلسة حول الأمن الغذائي بمدينة ساو باولو ضمن فعاليات مهرجان الأعمال الزراعية العالمي، إلى أن صادرات البرازيل من القهوة سجلت نموًا، متوقعًا أن تصبح بلاده ثاني أكبر مصدر للقهوة إلى الاتحاد الأوروبي.
وأضاف أن السوق الأوروبية لا تزال توفر فرصًا لمزيد من النمو أمام صادرات القهوة البرازيلية، رغم أن الرسوم الجمركية لم تنخفض بصورة فورية إلى الصفر، موضحًا أن الوصول إلى مستويات أقل من الرسوم سيتم تدريجيًا على المدى المتوسط.
ويعكس هذا التطور أهمية الاتفاق بالنسبة للسلع الزراعية البرازيلية، التي تعتمد بدرجة كبيرة على قدرتها على النفاذ إلى الأسواق العالمية والاستفادة من المزايا التجارية التي توفرها الاتفاقيات الدولية.
انفراجة للدجاج والعسل.. واللحوم البقرية في دائرة القيود
وفي تطور آخر، أشار المسؤول الأوروبي إلى تجاوز بعض العقبات التي كانت تعرقل صادرات منتجات برازيلية إلى الاتحاد الأوروبي، ومن بينها لحوم الدجاج والعسل، بما يوفر فرصًا إضافية أمام المنتجين البرازيليين.
في المقابل، لا تزال صادرات اللحوم البقرية تواجه تحديات أمام دخول السوق الأوروبية، في ظل تعليق شحنات برازيلية بسبب مخاوف مرتبطة بالالتزام بالقواعد الأوروبية الخاصة باستخدام مضادات الميكروبات.
وبحسب التفسير الذي أورده بو، فإن معالجة هذا الملف ترتبط بدورة حياة الماشية، التي تبلغ نحو عامين، ما يعني أن الوصول إلى حل قد يستغرق فترة زمنية قبل انعكاسه بصورة كاملة على حركة صادرات اللحوم.
المؤشرات الجغرافية تعزز فرص المنتجات المستدامة
ويمثل ملف المؤشرات الجغرافية أحد المجالات التي يمكن أن يستفيد منها المنتجون البرازيليون في إطار الاتفاق، إذ تتيح هذه المؤشرات تمييز المنتجات المرتبطة بمناطق جغرافية محددة وحمايتها في الأسواق الخارجية.
وأكد بو أن هذه الآلية يمكن أن تدعم المنتجات القادمة من مناطق تركز على الاقتصاد الحيوي والاستدامة، بما يعزز قدرتها على المنافسة داخل السوق الأوروبية.
وفي السياق ذاته، دعا المسؤول الأوروبي البرازيل إلى الحفاظ على التزاماتها الخاصة بمكافحة إزالة الغابات، محذرًا من المبادرات السياسية التي قد تعطي إشارات إلى التراجع عن تلك الالتزامات.
ويرتبط هذا الملف بصورة مباشرة بقدرة المنتجات الزراعية البرازيلية على النفاذ إلى الأسواق الدولية، في ظل تزايد ارتباط التجارة العالمية بالمعايير البيئية والاستدامة.
التمويل الزراعي مرتبط بمكافحة إزالة الغابات
وفي الجلسة نفسها، قال كايو باربوسا، رئيس إدارة الائتمان الريفي في البنك الوطني البرازيلي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، إن البرازيل بحاجة إلى تعزيز الاعتراف بها كقوة مستدامة في القطاع الزراعي.
وأوضح أن البنك يساهم في هذا الاتجاه من خلال عدم تمويل، في إطار خطة المحاصيل، أي مشروع زراعي توجد بشأنه مؤشرات على إزالة الغابات بصورة غير قانونية.
وبحسب باربوسا، لا تتجاوز الطلبات التي تواجه مشكلات من هذا النوع نحو 1% من إجمالي طلبات التمويل التي تصل إلى البنك، معتبرًا أن ذلك يعكس مستوى الالتزام بالاستدامة داخل القطاع الزراعي.
ويتحمل البنك مسؤولية تحويل نحو 50 مليار ريال برازيلي سنويًا ضمن إجمالي يتجاوز 500 مليار ريال برازيلي تخصصها خطة المحاصيل سنويًا.
الأمن الغذائي يفرض دورًا أكبر على البرازيل
من جانبه، أكد روبرتو رودريغيز، وزير الزراعة البرازيلي الأسبق والأستاذ الفخري في مؤسسة جيتوليو فارجاس، أن قضية الأمن الغذائي أصبحت أكثر إلحاحًا منذ جائحة كوفيد-19، في ظل التداعيات التي خلفتها الجائحة على أسعار الغذاء وتكاليف المدخلات الزراعية.
وأشار رودريغيز إلى الدور الذي تلعبه البرازيل في مواجهة تحديات الأمن الغذائي العالمي، مؤكدًا في الوقت ذاته أن القضاء على الأنشطة غير القانونية يمثل عنصرًا أساسيًا لتعزيز مكانة البلاد الزراعية.
فرصة تصديرية مشروطة بالمعايير الأوروبية
وتكشف التطورات الأخيرة أن اتفاق ميركوسور والاتحاد الأوروبي يمنح البرازيل فرصًا جديدة لزيادة صادراتها الزراعية إلى أوروبا، لكنه في الوقت نفسه يضع المنتجين أمام متطلبات أكثر وضوحًا فيما يتعلق بسلامة الغذاء والاستدامة وحماية البيئة.
وبينما تبدو القهوة والدجاج والعسل من بين المنتجات التي بدأت تستفيد من تحسن فرص النفاذ إلى السوق الأوروبية، تظل اللحوم البقرية مثالًا على أن إزالة الرسوم والعقبات التجارية لا تكفي وحدها، ما لم تتوافق المنتجات مع المعايير الصحية والبيئية المعمول بها في الاتحاد الأوروبي.
ومن ثم، فإن قدرة البرازيل على تحويل الاتفاق إلى مكاسب تصديرية مستدامة ستظل مرتبطة بمدى نجاحها في تحقيق التوازن بين زيادة الإنتاج والصادرات من جهة، والالتزام بالمعايير الأوروبية البيئية والصحية من جهة أخرى.