رغم أن الذكاء الاصطناعي يُنظر إليه باعتباره محركًا للنمو الاقتصادي والتحول الرقمي، فإن توسعه المتسارع يفرض تحديًا بيئيًا متزايدًا يتمثل في استهلاك كميات ضخمة من المياه العذبة اللازمة لتبريد مراكز البيانات وتشغيل البنية التحتية الرقمية.
ومع توقعات بتضاعف الطلب على المياه خلال السنوات المقبلة، يبرز سؤال جوهري: هل يمكن تحقيق طفرة في الذكاء الاصطناعي دون تعميق أزمة المياه العالمية؟
لم يعد استهلاك الكهرباء وحده هو التحدي البيئي المرتبط بالذكاء الاصطناعي، إذ تكشف تقارير دولية حديثة أن المياه أصبحت أحد أهم الموارد التي تعتمد عليها صناعة الذكاء الاصطناعي، خصوصًا في تشغيل مراكز البيانات العملاقة التي تستضيف النماذج اللغوية وأنظمة الحوسبة المتقدمة.
ووفقًا لـ"أطلس المياه" الصادر عن مؤسسة هينريش بيل، فإن خريطة استغلال الموارد العالمية تشهد تحولًا ملحوظًا؛ فبدلًا من التركيز التقليدي على استخراج المعادن والموارد الطبيعية، أصبح التنافس يمتد إلى موارد المياه اللازمة لتبريد الخوادم، ما يزيد الضغوط على المناطق التي تعاني أصلًا من شح الموارد المائية.
700 ألف لتر لتدريب نموذج واحد
تشير التقديرات إلى أن تدريب نموذج GPT-3 استهلك نحو 700 ألف لتر من المياه لأغراض التبريد، وهو رقم يعكس الحجم الحقيقي للموارد المطلوبة لتطوير النماذج الذكية، في وقت يتركز فيه النقاش العام غالبًا على استهلاك الطاقة الكهربائية فقط.
وتوضح هذه الأرقام أن البصمة المائية للذكاء الاصطناعي تمتد أيضًا إلى تصنيع الخوادم والرقائق الإلكترونية والبنية التحتية الرقمية، وليس إلى تشغيلها فحسب.
استهلاك مائي مرشح للتضاعف بحلول 2030
بحسب تقرير صادر عن منظمة جرينبيس، من المتوقع أن يرتفع الاستهلاك السنوي للمياه في مراكز البيانات من 239 مليار لتر عام 2024 إلى نحو 664 مليار لتر بحلول عام 2030، وهو ما يمثل زيادة تقارب ثلاثة أضعاف خلال ست سنوات فقط.
ويعكس هذا النمو التوسع الكبير في استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية، وما يتطلبه ذلك من إنشاء مراكز بيانات جديدة ذات احتياجات تشغيلية مرتفعة.
فجوة بين المكاسب الاقتصادية والأعباء البيئية
وتبرز إشكالية أخرى تتمثل في التوزيع غير المتوازن للمكاسب والأضرار؛ ففي الوقت الذي تستفيد فيه الاقتصادات المتقدمة من العوائد الاقتصادية للذكاء الاصطناعي، تتحمل العديد من الدول النامية العبء البيئي الناتج عن استهلاك المياه.
وشهدت الأوروجواي خلال عام 2023 احتجاجات واسعة بالتزامن مع أسوأ موجة جفاف منذ عقود، بعدما اضطرت السلطات إلى ضخ مياه مالحة في شبكات المياه العامة نتيجة انخفاض المخزون المائي، بينما استمرت إمدادات المياه العذبة اللازمة لتشغيل أحد مراكز بيانات شركة جوجل.
وفي تشيلي، واجه مشروع لمركز بيانات انتقادات بيئية بعدما قُدر استهلاكه اليومي بنحو 7.6 ملايين لتر من المياه، وهو حجم يوازي تقريبًا الاستهلاك السنوي لمنطقة سيريلوس بأكملها، وفقًا للتقديرات الواردة في التقرير.
تشريعات لا تواكب سرعة التطور
ورغم تنامي الاهتمام بتنظيم الذكاء الاصطناعي، لا تزال الجوانب البيئية، وعلى رأسها استهلاك المياه، تحظى باهتمام محدود في الأطر التشريعية.
ففي حين ألزم قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي لعام 2024 الشركات بالإفصاح عن بعض البيانات المتعلقة بقدرات الحوسبة، لم يتضمن متطلبات مباشرة بشأن استهلاك المياه، كما أن قواعد الإفصاح البيئي الخاصة بالمياه تظل مقتصرة على بعض المنشآت داخل الاتحاد الأوروبي.
كما تواجه تقييمات الأثر البيئي في عدد من الدول انتقادات تتعلق بعدم الشفافية أو ضعف التقديرات الخاصة باستهلاك الموارد المائية، خاصة في المشروعات الضخمة.
حلول متاحة..لكن الحوافز محدودة
يشير الخبراء إلى أن البدائل التقنية متوفرة بالفعل، وتشمل أنظمة إعادة تدوير المياه، واستخدام مياه الأمطار أو المياه المالحة في عمليات التبريد، إلى جانب تقنيات التبريد الهوائي واستعادة الحرارة، والتي يمكن أن تقلل الاعتماد على المياه العذبة.
إلا أن تبني هذه الحلول لا يزال محدودًا، في ظل انخفاض تكلفة المياه في العديد من الأسواق، وغياب الحوافز الاقتصادية والضغوط التنظيمية الكافية التي تدفع الشركات إلى الاستثمار في تقنيات أكثر استدامة.
تحدٍ بين الابتكار والاستدامة
ومع استمرار التوسع العالمي في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، يزداد التحدي المتمثل في تحقيق التوازن بين متطلبات التحول الرقمي والحفاظ على الموارد الطبيعية، خصوصًا في المناطق التي تعاني من الإجهاد المائي.
ويرى خبراء أن دمج البصمة المائية ضمن معايير تقييم مشروعات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تعزيز الشفافية وتطوير تقنيات تبريد أكثر كفاءة، سيكون من العوامل الأساسية لضمان نمو القطاع بصورة أكثر استدامة، دون تحميل البيئات الهشة تكلفة الثورة الرقمية.