شهدت أروقة وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية اجتماعًا موسعًا، جمع بين راندة المنشاوي ومحمد سامي سعد، بمشاركة عدد من رؤساء شركات المقاولات وقيادات الوزارة وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، لبحث تداعيات المتغيرات الجيوسياسية والحرب الإيرانية على قطاع المقاولات.
ويأتي هذا الاجتماع في إطار متابعة تأثير الأوضاع الإقليمية على القطاع، وبحث آليات التعامل مع التحديات الراهنة، وذلك على غرار التحركات التي شهدها قطاع التطوير العقاري خلال الأسبوع الماضي.
وبشأن تفاصيل المذكرة فتضمنت مقدمة لأهمية قطاع التشييد والبناء في مصر وما يمر به من مرحلة دقيقة تتأرجح بين ضغوط اقتصادية متصاعدة وفرص نمو واعدة، حيث يُعد أحد الركائز الأساسية للاقتصاد الوطني، إذ يستوعب ما يقرب من 8 ملايين عامل، ويرتبط بشكل مباشر بأكثر من 90 صناعة مغذية ومكملة. ومن ثمّ، فإن أي اضطراب في هذا القطاع يمتد تأثيره ليشمل سلاسل إمداد واسعة تبدأ من الصناعات الثقيلة كحديد التسليح والأسمنت، وصولًا إلى الورش والحرف الصغيرة.
أولًا: المشهد الراهن والتحديات الاقتصادية
يواجه القطاع حزمة من التحديات المركبة الناتجة عن تقلبات اقتصادية حادة، وسياسات نقدية متشددة، وتغيرات تشريعية متلاحقة، وهو ما أدى إلى تآكل رؤوس أموال الشركات وتحول دور المقاول من منفذ للمشروعات إلى ممول لها.
1. أزمة السيولة والتمويل
لم تعد أزمة السيولة مجرد انعكاس لارتفاع التكاليف، بل تحولت إلى تهديد مباشر لاستدامة الشركات، وذلك نتيجة عدة عوامل رئيسية:
تحرير سعر الصرف وما تبعه من انخفاض قيمة العملة المحلية، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع تكلفة مواد البناء بنسبة تجاوزت 80%.
ثبات أسعار التعاقدات السابقة مقارنة بموجات التضخم الحالية، ما تسبب في خسائر كبيرة للشركات.
ارتفاع أسعار الخامات بشكل غير مسبوق عقب قرارات مارس 2024.
أبرز الزيادات في أسعار الخامات:
النحاس: زيادة تتراوح بين 110% و115% (الأعلى تأثيرًا على الأعمال الكهروميكانيكية)
الحديد: 35% إلى 40%
الطوب: 30% إلى 50%
الألومنيوم: نحو 30%
الأسمنت: زيادات ملحوظة مرتبطة بتكاليف الإنتاج والطاقة
2. عبء التمويل البنكي
تفاقمت الضغوط التمويلية نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار الفائدة، حيث ارتفعت الفائدة إلى مستويات تراوحت بين 19% و26%، مقارنة بنحو 12–13% وقت التعاقد.
وتحمّلت الشركات أعباء تمويلية تفوق قدرتها، ما يهددها بمخاطر التعثر وتسييل خطابات الضمان.
نشأ خلل واضح في العلاقة بين المقاولين والبنوك، حيث أصبح المقاول ممولًا قسريًا للمشروعات بسبب تأخر المستحقات.
كما تواجه الشركات الصغيرة والمتوسطة صعوبة في الحصول على التمويل، ما يعرضها لخطر الخروج من السوق، أما الشركات الكبرى فهناك فجوات تمويلية ضخمة تهدد استكمال مشروعات البنية التحتية.
3. التحديات التشريعية
شهدت الفترة الأخيرة صدور عدد من القوانين التي زادت من الأعباء التشغيلية والضريبية على القطاع، من أبرزها: قانون 206 لسنة 2020: يلزم بتقديم إقرارات ضريبية شهرية وسداد الضريبة فورًا، وقانون 30 لسنة 2023: يشترط اعتماد المصروفات على فواتير إلكترونية فقط، وتعديلات نسب القروض إلى حقوق الملكية، والتي انخفضت تدريجيًا حتى 1:2 بحلول 2027، وقانون 6 لسنة 2025: يحدد سقفًا منخفضًا لحجم الأعمال للمشروعات الصغيرة، لا يتناسب مع معدلات التضخم الحالية.
ثانيًا: التوصيات لضمان تعافي القطاع
رغم التحديات، لا يزال القطاع يمتلك مقومات قوية للتعافي، شريطة توافر بيئة داعمة ماليًا وتشريعيًا، وذلك من خلال:
1. انتظام صرف المستحقات
تفعيل قرارات لجنة التعويضات بشكل إلزامي على جميع جهات الإسناد، مع تسريع إجراءات صرف المستحقات المتأخرة لضمان استقرار التدفقات النقدية.
2. إعادة هيكلة التمويل
إطلاق مبادرات تمويلية بفائدة منخفضة موجهة لقطاع المقاولات، أسوة بقطاعات حيوية أخرى، بما يخفف الأعباء التمويلية ويُسهم في استقرار الأسعار.
3. دعم التوسع الخارجي
توفير آليات مرنة لإصدار خطابات الضمان للمشروعات الخارجية، بما يتيح للشركات المصرية المنافسة عالميًا وجذب العملة الأجنبية.
4. توحيد معايير التعاقد
تعميم آليات التعويض وفروق الأسعار على عقود القطاع الخاص، بما يحقق العدالة التعاقدية ويحد من النزاعات.
5. إصلاحات تشريعية وضريبية
- مدّ فترة تقديم الإقرارات الضريبية إلى ثلاثة أشهر بدلًا من شهر.
- مراعاة طبيعة قطاع المقاولات في تطبيق منظومة الفاتورة الإلكترونية.
- إعادة النظر في حدود حجم الأعمال المنصوص عليها قانونًا بما يتناسب مع التضخم.
يمثل قطاع التشييد والبناء أحد المحركات الرئيسية للاقتصاد المصري، وأي دعم موجّه له سينعكس إيجابًا على عشرات القطاعات المرتبطة به، ومن ثمّ فإن تبني سياسات متوازنة تدعم السيولة وتخفف الأعباء التمويلية والتشريعية، يعد ضرورة حتمية لضمان استمرارية هذا القطاع الحيوي وتعزيز دوره في تحقيق التنمية الاقتصادية.