بقلم د. محمد محمود
كلية الهندسة – جامعة القاهرة
في قلب واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية، يقف الشرق الأوسط على مفترق طرق تاريخي. فهذه المنطقة التي يمر عبرها ما يزيد عن ثلث تجارة النفط العالمية، خاصة عبر مضيق هرمز، ليست مجرد ساحة صراع جيوسياسي، بل تمثل شريانًا حيويًا للاقتصاد العالمي. ومع تصاعد احتمالات اتساع رقعة أي حرب إقليمية، لا يقتصر الخطر على حدود الدول المتنازعة، بل يمتد ليصيب سلاسل الإمداد العالمية، ويضغط على أسعار الطاقة، ويهز استقرار الأسواق الدولية. وسط هذا المشهد المضطرب، يبرز الهيدروجين كأحد أهم البدائل الاستراتيجية القادرة على إعادة رسم خريطة الطاقة في العالم.
ان أي تصعيد عسكري واسع في المنطقة ينعكس فورًا على أسواق النفط والغاز، فتعطّل الإنتاج أو التسييل، أو حتى مجرد التهديد بإغلاق الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز، كفيل بإشعال الأسعار عالميًا. ولا يتوقف التأثير عند الوقود فقط، بل يمتد إلى تكلفة إنتاج الكهرباء والصناعات المرتبطة بها، كما تفتح هذه الأزمات الباب أمام موجات تضخم حادة، واضطرابات في سلاسل التوريد، وتقلبات في أسعار العملات، وهو ما ينعكس سلبًا على الاستثمارات، خاصة في قطاع الطاقة الذي يتطلب استقرارًا طويل الأمد. وقد أثبتت تجارب سابقة أن الأسواق العالمية تظل شديدة الهشاشة أمام التوترات الإقليمية.
في المقابل، يقدم الهيدروجين نموذجًا مختلفًا تمامًا للطاقة. فإنتاجه يعتمد على تحليل المياه كهربائيًا باستخدام الطاقة المتجددة، مثل الشمس أو الرياح، مع انعدام الانبعاثات الكربونية. وهذه المعادلة تمنحه ميزة نادرة وهي إمكانية انتاجه محليا دون الاعتماد على حقول تقليدية معرضة للقصف او التخريب. أن إنتاج الهيدروجين يمكن أن يتم بطريقه موزعه، وليس عبر منشآت ضخمة معرضة للاستهداف، كما يمكن تخزينه لفترات طويلة نسبيًا، ما يعزز من مرونة أنظمة الطاقة في أوقات الأزمات.
والتاريخ يؤكد انه في أوقات الحروب وعدم الاستقرار، تكون هناك تحولات اقتصادية تجعل المستثمرون في مجال الطاقة يبحثون عن ملاذ امن للأعمال طويلة الأجل، وهو ما يجعل مشروعات انتاج الهيدروجين والطاقة المتجددة أكثر جاذبية. ومع تطور هذه المشروعات، قد نشهد تحولًا في ممرات الطاقة العالمية، حيث يتم نقل الهيدروجين أو مشتقاته بدلًا من النفط، إلى جانب إنشاء شبكات أنابيب جديدة تربط مناطق الإنتاج بمنطق الاستهلاك. ولكن هنا يجب ان نقول ان الطريق ليس خاليًا من التحديات.
فتكلفة إنتاج الهيدروجين لا تزال مرتفعة نسبيًا، كما أن استهلاك المياه يتطلب حلول تحلية فعالة، إضافة إلى الحاجة لبنية تحتية متطورة للنقل والتخزين، وتشجيع وتسريع التحديث في التكنولوجيا المستخدمة ووضع أطر تنظيمية واضحة. إن التاريخ يشير إلى أن الأزمات الكبرى غالبًا ما تُسرّع من وتيرة الابتكار، وهو ما قد ينطبق على اقتصاد الهيدروجين في حال استمرار التوتر والحرب في منطقتنا.
في هذا السياق، تبرز مصر كمركز استراتيجي يجمع بين وفرة الطاقة الشمسية والمياه الصالحة والموقع الجغرافي المميز ومشروعات البنية التحتية القوية مما يؤهلها لتكون واحدة من أكبر مستخدمي ومصدري الهيدروجين عالميا ومن الطبيعي ان يكون ذلك عنصر أساسي في رؤيتها المستقبلية لتأمين مصادر الطاقة.
فإذا كان النفط قد منح النفوذ الاقتصادي لدول بعينها خلال القرن الماضي، فإن معادلة القوة قد تتغير في العقود المقبلة. فالدول التي تمتلك وفرة في الإشعاع الشمسي بالإضافة الي وفرة المياه الطبيعية أو من خلال تحلية مياه البحر، باتت مرشحة لتكون مراكز جديدة للطاقة.
مما يعني ان استمرار او تكرار الأزمات في الشرق الأوسط ، فقد يشهد العالم تحولًا متسارعًا نحو اقتصاد الهيدروجين، مع تغير جذري في أدوار الدول من مستوردة للطاقة إلى مصدّرة لها. وهو ما يعني إعادة توزيع موازين القوة الاقتصادية عالميًا، وتقليل الاعتماد على البترول والغاز .
وفي النهاية فان الحرب في الشرق الأوسط لا تهدد الاستقرار الإقليمي فقط، بل تحمل في طياتها إمكانية إعادة تشكيل نظام ومراكز الطاقة العالمي بالكامل. وفي هذا السياق من المتوقع ان يصبح الهيدروجين بديل متاح للطاقة النظيفة فكما كان النفط أداة النفوذ في القرن العشرين، فربما يكون الهيدروجين هو المفتاح والركيزة للأمن والسلام خلال القرن الحالي.