دخلت السياسة النقدية الأمريكية مع بداية العام الجديد 2026 في مأزق صعب، حيث تجد اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة نفسها في مواجهة مباشرة مع التضخم الذي يرفض الانحسار، بينما تزداد الضغوط السياسية المطالبة بتخفيضات فائدة إضافية.
مع ارتفاع التوترات حول سياسة الفائدة وتهديدات "التعريفات الجمركية" التي تؤثر على الأسعار، تتزايد التحديات التي تواجه جيروم باول وبقية أعضاء اللجنة في تحديد مسار السياسة النقدية المناسبة. في هذا المشهد المتشابك، تتحول كل خطوة إلى ساحة معركة من أجل استقرار الاقتصاد الأمريكي والعالمي على حد سواء.
في الوقت الذي انتهى فيه عام 2025 بخفض أسعار الفائدة إلى مستويات تتراوح بين 3.5% و3.75%، لا يزال الفيدرالي الأمريكي يواجه تحديات كبيرة في العام الجديد. حيث تحاول "بولسون"، عضوة لجنة السوق المفتوحة، الموازنة بين هدف التضخم البالغ 2% وبين الأسواق التي تشهد إشارات ضعف متزايدة.
التضخم لا يزال عائقًا رئيسيًا، ولا يبدو أنه على وشك الانخفاض بسهولة، فيما تسود أجواء مشحونة بسبب الضغوط السياسية الداخلية، خاصة من البيت الأبيض الذي يطالب بتقليص الفائدة على حساب الاستقرار المالي.
سوق العمل والتضخم: التحدي المزدوج
تواجه لجنة السياسة النقدية معضلة حقيقية، حيث تشير البيانات إلى أن سوق العمل الأمريكي يعاني من علامات ضعف قد تؤدي إلى تباطؤ اقتصادي أكبر. ومع ذلك، تظل بولسون متفائلة بحذر، معتبرة أن الاقتصاد قد ينجو بتجاوز المرحلة الحالية من التضخم، شرط أن يتم امتصاص تأثيرات "التعريفات الجمركية" التي أربكت الأسواق وأسعار السلع عالميًا. رغم ذلك، تحذر بولسون من التسرع في خفض الفائدة، مشيرة إلى أن التباطؤ في التوظيف يستحق مراقبة دقيقة قبل اتخاذ أي قرارات جديدة قد تؤدي إلى "مغامرة تيسيرية".
صراع الإرادات: الفيدرالي وضغوط البيت الأبيض
في مواجهة خفض الفائدة، يبقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من أكبر الضاغطين على الفيدرالي، حيث يواصل مطالبه بضرورة تسريع وتيرة خفض الفائدة، متجاهلاً بعض العواقب المحتملة لهذه السياسة. ورغم الضغوط، يلتزم جيروم باول رئيس الفيدرالي بالصمت الحذر، مكتفيًا بإشارات ضبابية حول المستقبل. هذا الصراع السياسي بين الجناح التنفيذي والرؤية الاقتصادية المستقلة للفيدرالي أصبح يشكل أحد أكبر التحديات التي تواجه الاقتصاد الأمريكي. وفي حين يرى ترامب في خفض الفائدة الحل الوحيد لتحفيز النمو الاقتصادي، يتمسك الفيدرالي بسياسة أكثر تحفظًا تحافظ على استقلالية البنك المركزي.
التعريفات الجمركية: القيد الأخير في معادلة التضخم
تظل التعديلات الجمركية والرسوم المفروضة على السلع مصدرًا رئيسيًا لقلق الأسواق. وفقًا لبولسون، فإن تأثيرات هذه "التعريفات" تعتبر مؤقتة، لكنها تظل عقبة كبيرة أمام استقرار الأسعار على المدى القصير. بينما تظهر بيانات الوظائف تراجعًا في العرض والطلب، يتساءل الخبراء: هل يمتلك الفيدرالي رفاهية الانتظار؟ أم أن الوقت قد حان لاتخاذ إجراءات أكثر سرعة للتعامل مع التباطؤ؟
مع بداية عام 2026، يبدو أن الفيدرالي الأمريكي على مفترق طرق، حيث تتصارع المعطيات الاقتصادية مع الضغوط السياسية، ويصبح كل اجتماع للجنة الفيدرالية فرصة جديدة للبحث عن توازن دقيق بين التضخم والنمو، الفائدة والسياسة. في ظل هذه الظروف المعقدة، تبدو السياسات النقدية محط أنظار الأسواق العالمية التي تتمنى استقرارًا اقتصاديًا وسط بيئة محفوفة بالمخاطر.