أزمة تمويل تضرب مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.. هروب المستثمرين يهدد الديون ويعطل الطروحات


Mon 19 Oct 2026 | 03:09 PM
محمد سلامة

تواجه صناعة مراكز البيانات الداعمة للذكاء الاصطناعي موجة متصاعدة من الضغوط التمويلية، مع تحول اهتمام المستثمرين من تقييمات شركات التكنولوجيا إلى فحص قدرتها على سداد الديون وتحقيق العوائد المستهدفة من الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية الرقمية. وتزامنت هذه المخاوف مع تراجع أسهم شركات بارزة، وارتفاع تكلفة الاقتراض، وتأجيل أو إلغاء أربعة طروحات عامة أولية لشركات مرتبطة بالقطاع خلال ثلاثة أسابيع، في مؤشر على تزايد الحذر تجاه أحد أبرز محركات طفرة الذكاء الاصطناعي.

وبحسب تقرير نشره موقع «سينكو دياس» الإسباني، فإن الضغوط لم تعد تقتصر على أسواق الأسهم، بل امتدت إلى سوق السندات وهياكل التمويل التي تعتمد عليها مشروعات مراكز البيانات، وسط تساؤلات بشأن قدرة الإيرادات المستقبلية على تغطية تكاليف الاستثمار وخدمة الديون، خصوصًا مع ارتفاع تكلفة التمويل وتسارع تقادم المعالجات المستخدمة في هذه المنشآت.

كور ويف في دائرة الضغوط التمويلية

برزت شركة «كور ويف» (CoreWeave)، المتخصصة في توفير قدرات الحوسبة السحابية المخصصة للذكاء الاصطناعي، بوصفها أحد أبرز الأمثلة على الضغوط التي تواجه القطاع، بعدما تراجع سهمها بنسبة 25% خلال الأسبوع الماضي.

وتعتمد الشركة على شراء المعالجات وتركيبها داخل مراكز البيانات، ثم تأجير قدرات الحوسبة للعملاء، وهو نموذج يتطلب استثمارات رأسمالية ضخمة قبل تحقيق الإيرادات المستهدفة. وفي ظل تزايد تكاليف التمويل، ارتفعت المخاوف بشأن قدرة هذا النموذج على توليد تدفقات نقدية كافية للوفاء بالالتزامات المالية.

وتصل الفائدة على بعض سندات الشركة إلى 15%، فيما تعكس أسعار أدوات التأمين ضد مخاطر الائتمان، وفقًا للتقرير، احتمالًا للتعثر عن السداد يبلغ 60% خلال خمس سنوات. وتبرز هذه المؤشرات حجم المخاطر التي بات المستثمرون يربطونها بالشركات كثيفة الاعتماد على الاقتراض لتمويل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وامتدت الضغوط إلى سندات شركات تمول مشروعات ضخمة لمراكز البيانات المرتبطة بشركات «ميتا» و«مايكروسوفت» و«أوراكل»، إلى جانب منشأتين تابعتين لشركة «هت 8» العاملة في تعدين البيتكوين، إذ يجري تداول هذه السندات دون قيمتها الاسمية.

أربعة طروحات عامة تتعثر خلال ثلاثة أسابيع

انعكس تراجع شهية المستثمرين على سوق الطروحات العامة الأولية، بعدما تأجلت أو تعثرت أربعة طروحات مرتبطة بمراكز البيانات في ثلاث قارات خلال فترة لا تتجاوز ثلاثة أسابيع.

ففي إسبانيا، قررت شركة «إغنيس» (Ignis)، المتخصصة في تطوير مشروعات الطاقة المتجددة والتي أصبحت مراكز البيانات نشاطًا رئيسيًا لها، تأجيل طرح أسهمها إلى عام 2027.

وفي أستراليا، تراجعت شركة «فيرموس» (Firmus)، التي تستثمر فيها «إنفيديا»، عن طرح عام بقيمة 5 مليارات دولار، بما يعادل نحو 4.45 مليار يورو، كان مقررًا في 9 أكتوبر، بعدما لم تتمكن من استقطاب طلب كافٍ عند مستوى السعر المستهدف.

كما واجه طرح شركة مراكز البيانات التابعة لمجموعة «بي إل دي تي» الفلبينية صعوبات، فيما أعلنت «إيرترانك» (AirTrunk)، التابعة لمجموعة «بلاكستون»، في 13 أكتوبر تأجيل إدراجها في بورصة سنغافورة إلى العام المقبل.

وتعكس هذه التطورات اتساع الفجوة بين التقييمات التي تستهدفها الشركات والضوابط التي يفرضها المستثمرون على الاستثمارات كثيفة رأس المال، خصوصًا في ظل عدم اليقين بشأن سرعة نمو الطلب والعوائد الفعلية المتوقعة.

هياكل ديون معقدة ومخاطر مترابطة

تتمثل إحدى أبرز بؤر القلق في تعقيد الهياكل المالية المستخدمة لتمويل مراكز البيانات، وهي مخاطر حذر منها بنك التسويات الدولية، في ظل تداخل مصالح الشركات المالكة للمنشآت ومموليها وموردي المعدات والعملاء المستفيدين من خدماتها.

وتعتمد بعض المشروعات، التي تصل قيمتها إلى مليارات اليورو، على ديون تصدرها شركات ذات أغراض خاصة، تستند قدرتها على السداد إلى عقود طويلة الأجل مع شركات تكنولوجية كبرى، من بينها «أمازون» و«أوراكل» و«ميتا» و«كور ويف».

وقد أسهمت هذه العقود في تعزيز جاذبية السندات، بالنظر إلى الجدارة الائتمانية للشركات المتعاقدة، إلا أن تشابك العلاقات التجارية والاستثمارية يفتح الباب أمام انتقال المخاطر بين أطراف المنظومة في حال تراجع الطلب أو تعثر أحد العملاء.

وتجسد علاقة «إنفيديا» بـ«كور ويف» هذا التشابك؛ إذ تجمع بين كونها موردًا للمعالجات ومستثمرًا في الشركة وعميلًا لها. وبذلك، قد تعود الأموال التي تنفقها «كور ويف» على شراء المعالجات إلى «إنفيديا» في صورة إيرادات، فيما تظل قيمة الاستثمار نفسه مرتبطة بقدرة «كور ويف» على مواصلة النمو والوفاء بالتزاماتها.

ويحذر بنك التسويات الدولية من أن هذا النموذج قد يضاعف تعرض المستثمر للمخاطر، إذ إن أي تراجع في أداء الشركة المستثمَر فيها يمكن أن يضغط على قيمة الاستثمار، ويؤثر في الوقت نفسه على الإيرادات المستقبلية للمورد.

ووفقًا لتقديرات «مورجان ستانلي» الواردة في التقرير، أصدرت الشركات المالكة لمراكز البيانات سندات بقيمة تقارب 46 مليار دولار، أي نحو 40 مليار يورو، فيما وصلت أسعار الفائدة على بعض الإصدارات إلى 15%، وهي مستويات تعكس ارتفاع درجة المخاطر التي يطلب المستثمرون تعويضًا عنها.

تقادم المعالجات يهدد القدرة على سداد الديون

إلى جانب تكلفة الاقتراض وتعقيد هياكل التمويل، يواجه القطاع تحديًا يتمثل في عدم التوافق بين آجال الديون والعمر الاقتصادي للمعدات المستخدمة في مراكز البيانات.

فبينما قد تصدر الشركات سندات تستحق خلال خمس أو سبع سنوات، يمكن أن تفقد المعالجات المستخدمة في المنشآت جزءًا مهمًا من قيمتها التنافسية بعد ثلاث أو أربع سنوات فقط، مع طرح أجيال أحدث وأكثر كفاءة في السوق.

ويعني هذا التباين أن الشركات قد تضطر إلى تمويل تحديث معداتها قبل انتهاء آجال الديون التي استخدمتها لشراء الجيل السابق، بما يزيد احتياجاتها الرأسمالية ويضغط على التدفقات النقدية المتاحة لخدمة الالتزامات القائمة.

وحذرت مؤسسة «جارتنر» الاستشارية، في تقرير نشرته الأسبوع الماضي، من المخاطر الناجمة عن الفجوة بين آجال التمويل والعمر الاقتصادي للمعدات، كما أثارت شكوكًا بشأن قدرة الإيرادات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي على تغطية تكاليف الاستثمارات الضخمة.

وتقدر المؤسسة أن ملاك مراكز البيانات يحتاجون إلى تحقيق إيرادات بقيمة 8.5 تريليون دولار حتى عام 2030، بما يعادل نحو 7.4 تريليون يورو، لتغطية الاستثمارات المعلنة وتكاليف تمويلها وتحقيق عائد بنسبة 12%.

في المقابل، تتوقع «جارتنر» ألا تتجاوز الإيرادات المنسوبة إلى هذه المراكز 3.6 تريليون دولار، أو نحو 3.1 تريليون يورو، خلال الفترة نفسها.

وتكشف المقارنة عن فجوة كبيرة بين الإيرادات المطلوبة والإيرادات المتوقعة، بما يعزز المخاوف بشأن قدرة القطاع على تحقيق العوائد التي بنيت عليها قرارات الاستثمار والاقتراض.

كما ترى المؤسسة أن الشركات المالكة للبنية التحتية لن تستحوذ إلا على أقل من نصف إيرادات الذكاء الاصطناعي، وهو ما قد يحد من استفادتها المالية من النمو المتوقع في استخدام هذه التكنولوجيا.

ديون مراكز البيانات تحت اختبار المستثمرين

مع تصاعد هذه المخاطر، بدأ المستثمرون في إخضاع العقود طويلة الأجل والالتزامات المالية للشركات لمراجعة أكثر دقة، بعدما لم تعد التوقعات المرتفعة لنمو الذكاء الاصطناعي وضمانات الطلب المستقبلية كافية وحدها لدعم الثقة في القطاع.

ونقل التقرير عن لودوفيك سوبرا، مدير الاستثمار في «أليانز»، وصفه سوق ديون مراكز البيانات بأنها تمر بمرحلة انتقاء قاسية، تتنافس خلالها القروض الأضعف على البقاء.

ويعكس هذا التحول انتقال السوق من مرحلة التمويل المدفوع بالتوقعات المتفائلة إلى مرحلة تركز بصورة أكبر على جودة الأصول، وقدرة الشركات على توليد النقد، ومدى تناسب التزاماتها المالية مع العمر الاقتصادي لمعداتها.

خسائر بـ13 مليار يورو في الشركات الإسبانية

امتدت تداعيات الأزمة إلى سوق الأسهم الإسبانية، حيث فقدت ست شركات مدرجة ترتبط أنشطتها بمراكز البيانات نحو 13 مليار يورو من قيمتها السوقية مقارنة بنهاية أغسطس، وفقًا للتقرير.

وتضم القائمة «فيروفيال» و«إيه سي إس»، اللتين تنفذان مشروعات لمراكز البيانات، خصوصًا في الولايات المتحدة، وشركة «ميرلين» التي تؤجر هذه المنشآت في إسبانيا، إلى جانب «جرينرجي» و«سولاريا» و«أكسيونا»، التي ترتبط أنشطتها بتوفير الكهرباء والطاقة اللازمة لتشغيلها.

وتراجعت أسهم عدد من هذه الشركات إلى أدنى مستوياتها خلال الاثني عشر شهرًا الماضية، في ظل مخاوف المستثمرين من انعكاسات الضغوط التمويلية والتنظيمية على المشروعات المرتبطة بالقطاع.

وقال سبيرو دونيس، محلل الأسواق لدى «سيتي»، في تقرير نشر يوم الجمعة الماضي، إن أداء معظم الشركات ذات الانكشاف الكبير على مراكز البيانات جاء أضعف من أداء السوق.

في المقابل، تبنت «يو بي إس» قراءة أقل تشاؤمًا؛ إذ رأى أمل باتيل، المحلل لدى البنك السويسري، في تقرير عن شركة «إيه سي إس»، أن السوق تسعّر سيناريو أكثر سلبية بكثير مما تبرره البيئة التنظيمية الحالية.

ويشير التباين بين التقييمين إلى أن السوق لا تزال منقسمة بشأن مدى استدامة الضغوط الحالية، وما إذا كانت تمثل إعادة تسعير ضرورية للمخاطر أم مبالغة في تقدير التداعيات المحتملة.

القيود التنظيمية وتكاليف الطاقة تضيف ضغوطًا جديدة

لا ترتبط خسائر الشركات الإسبانية بالمخاوف المالية العالمية وحدها، بل تتداخل معها تحديات تنظيمية تتعلق باستهلاك الكهرباء والتوسع في البنية التحتية اللازمة لتشغيل مراكز البيانات.

وبحسب التقرير، ينص مشروع مرسوم أعدته وزارة التحول البيئي الإسبانية على ضرورة تغطية مراكز البيانات 80% من استهلاكها الكهربائي من مصادر متجددة مولدة في الساعة نفسها، مع منح المشروعات التي لم تدخل الخدمة بعد مهلة ستة أشهر لإثبات الامتثال للمتطلبات.

ويرتبط اعتماد القواعد التنظيمية، وفقًا للتقرير، بحصول إسبانيا على 25 مليار يورو من الأموال الأوروبية، ما يضيف بعدًا اقتصاديًا وماليًا إلى النقاش بشأن تنظيم القطاع.

وتأتي هذه الإجراءات في وقت تتصاعد فيه احتجاجات السكان على التوسع في إنشاء مراكز البيانات في دول عدة، بينها الولايات المتحدة وفرنسا والهند وأيرلندا، بسبب المخاوف من زيادة استهلاك الكهرباء والضغط على شبكات الطاقة والبنية التحتية المحلية.

وفي إسبانيا، تتركز بعض الاعتراضات في مدينة سرقسطة، حيث تخطط «بلاكستون» لاستثمار أكثر من 7 مليارات يورو في مشروعات لمراكز البيانات.

أما في الولايات المتحدة، فتتزايد أهمية القرارات التنظيمية على مستوى الولايات، بالتزامن مع انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر، والتي ستؤثر نتائجها في تشكيل الجهات المسؤولة عن تحديد تعريفة الكهرباء.

وتكتسب هذه الانتخابات أهمية خاصة للقطاع، في ظل الجدل حول الجهة التي ستتحمل تكلفة تطوير شبكات الكهرباء وتوسيع قدرتها الاستيعابية لتلبية احتياجات مراكز البيانات، سواء الشركات المشغلة أو المستهلكون عبر فواتير الكهرباء.

ولا تقتصر التحفظات على اتجاه سياسي بعينه، إذ تتصاعد الاعتراضات داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري، مع تزايد الضغوط المتعلقة بتوزيع تكاليف البنية التحتية والطاقة بين الشركات والسكان.

مستقبل القطاع مرهون بالعوائد الفعلية

تكشف التطورات الأخيرة عن تحول جوهري في نظرة الأسواق إلى طفرة مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي؛ فبعد أن تركز الاهتمام على حجم الطلب المتوقع وسرعة التوسع في القدرات الحاسوبية، بات المستثمرون يضعون تكلفة التمويل، وجودة التدفقات النقدية، والعمر الاقتصادي للمعدات، والمخاطر التنظيمية في صدارة قراراتهم.

ومع ارتفاع تكلفة الاقتراض وتعثر عدد من الطروحات العامة وتراجع تقييمات الشركات المرتبطة بالقطاع، ستتوقف قدرة مراكز البيانات على استعادة ثقة الأسواق بدرجة متزايدة على إثبات قدرتها على تحويل الطلب المتنامي على خدمات الذكاء الاصطناعي إلى إيرادات مستدامة تكفي لتغطية الديون وتحقيق العوائد المستهدفة.

وبذلك، لم يعد التحدي الرئيسي أمام القطاع يقتصر على توفير التمويل اللازم لبناء مزيد من مراكز البيانات، بل أصبح يتمثل في إثبات أن العوائد الاقتصادية لهذه الاستثمارات قادرة على مواكبة تكلفتها المالية وسرعة تقادم تقنياتها.