تُعيد الضغوط التضخمية المتجددة تشكيل توقعات السياسة النقدية العالمية، مع ترجيحات باستمرار البنوك المركزية الكبرى في رفع أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة، قبل العودة إلى مسار الخفض التدريجي في أواخر عام 2027، وفقًا لتحليل بنك «إيه بي إن أمرو» الشهري للاقتصاد العالمي الصادر في 9 أكتوبر الجاري.
ويرى البنك الهولندي أن ارتفاع أسعار الطاقة يمثل أحد أبرز التحديات أمام مسار التضخم، في وقت لا يزال فيه الاقتصاد العالمي قادرًا على الصمود أمام الصدمات المتتالية، مدعومًا باستمرار الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي والطاقة والتحول في أنظمة الطاقة.
وأشار التقرير إلى أن تأثير ارتفاع تكاليف الطاقة قد يكون أكبر على الاقتصادات الأوروبية مقارنة بالولايات المتحدة، ما يزيد الضغوط على البنك المركزي الأوروبي ويهدد بتباطؤ نمو منطقة اليورو خلال عام 2027، بالتزامن مع استمرار السياسة النقدية المتشددة.
الذكاء الاصطناعي والطاقة يدعمان النمو العالمي
رغم تصاعد المخاطر التضخمية، يتوقع «إيه بي إن أمرو» استمرار قدرة الاقتصاد العالمي على التكيف مع الصدمات، مدفوعًا بالاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وتطوير البنية التحتية للطاقة والتحول نحو أنظمة طاقة جديدة.
وأوضح البنك أن موجة الاستثمارات العالمية تواصل دعم النشاط الاقتصادي، كما تسهم في تعزيز نمو الاقتصاد الصيني، رغم استمرار الاختلالات بين العرض والطلب داخل الصين.
وعلى مستوى الاقتصادات المتقدمة، يرجح التقرير بقاء معدلات النمو قريبة من مستوياتها المعتادة، مع تزايد احتمالات تباطؤ اقتصاد منطقة اليورو خلال العام المقبل نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة واستمرار تشديد السياسة النقدية.
ويعكس هذا التباين تحديًا أمام صانعي السياسات النقدية، يتمثل في احتواء التضخم دون التسبب في تباطؤ اقتصادي حاد، خصوصًا في الاقتصادات الأكثر تعرضًا لارتفاع أسعار الطاقة.
البنك المركزي الأوروبي.. رفعان للفائدة قبل الخفض
في منطقة اليورو، يتوقع «إيه بي إن أمرو» أن يرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة مرتين، خلال ديسمبر 2026 ومارس 2027، بما يدفع سعر الفائدة على الودائع إلى 3%، قبل بدء دورة خفض تدريجية في أواخر عام 2027.
وتعكس هذه التوقعات استمرار القلق من الضغوط التضخمية، خاصة مع ارتفاع تكاليف الطاقة وما قد يترتب عليه من زيادة نفقات الشركات والأسر.
ويضع هذا المسار البنك المركزي الأوروبي أمام معادلة صعبة، إذ يتعين عليه الحد من انتقال ارتفاع تكاليف الطاقة إلى أسعار السلع والخدمات، مع مراعاة تداعيات ارتفاع تكلفة الاقتراض على الاستثمار والاستهلاك والنشاط الاقتصادي.
وقد يؤدي استمرار التشديد النقدي، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الطاقة، إلى زيادة الضغوط على النمو في الاقتصادات الأوروبية، لا سيما إذا استمرت تكاليف الطاقة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول من المتوقع.
الفيدرالي الأمريكي يترقب رفعًا جديدًا في ديسمبر
في الولايات المتحدة، يرجح البنك رفع أسعار الفائدة مرة أخرى خلال اجتماع ديسمبر 2026، مع توقع بقاء الحد الأعلى لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية عند 4.25% حتى نهاية عام 2027.
وتستند هذه الرؤية إلى استمرار مخاوف التضخم، بالتزامن مع إظهار الاقتصاد الأمريكي قدرة على الصمود أمام التحديات الاقتصادية العالمية.
ويرى البنك أن ارتفاع عوائد السندات الأمريكية يعكس قوة الاقتصاد، إلى جانب استمرار القلق من الضغوط التضخمية، وهو ما قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على موقف نقدي متشدد لفترة أطول.
ويؤثر مسار الفائدة الأمريكية في تكلفة التمويل العالمية وتقييمات الأصول، كما ينعكس على حركة رؤوس الأموال وأسواق السندات والعملات، خصوصًا في الاقتصادات الناشئة التي تتأثر بتغيرات الأوضاع المالية الدولية.
بنك إنجلترا يتجه إلى زيادتين قبل استئناف الخفض
أما في المملكة المتحدة، فيتوقع «إيه بي إن أمرو» أن يرفع بنك إنجلترا أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في كل من نوفمبر 2026 وفبراير 2027، قبل استئناف خفضها خلال الربع الأخير من عام 2027.
ويشير هذا المسار المتوقع إلى أن الضغوط التضخمية قد تستمر في تقييد قدرة البنوك المركزية على تخفيف السياسة النقدية سريعًا، حتى مع اختلاف الظروف الاقتصادية بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة ومنطقة اليورو.
ويعني تأجيل خفض الفائدة بقاء تكاليف الاقتراض مرتفعة نسبيًا لفترة أطول، بما قد يؤثر على قرارات الاستثمار والإنفاق الاستهلاكي والتمويل العقاري، وفقًا لطبيعة انتقال السياسة النقدية إلى الاقتصاد.
عوائد السندات تحت ضغط المخاوف المالية والتضخم
على صعيد أسواق الدين، أوضح التقرير أن ارتفاع عوائد السندات الأوروبية يرتبط بالمخاوف بشأن الأوضاع المالية للحكومات، بينما تعكس الزيادة في العوائد الأمريكية قوة النشاط الاقتصادي واستمرار المخاوف التضخمية.
وتتأثر عوائد السندات بتوقعات أسعار الفائدة المستقبلية، ومستويات التضخم، واحتياجات الحكومات إلى التمويل، ومدى إقبال المستثمرين على الأصول الآمنة.
ويتوقع البنك تراجع عوائد السندات على جانبي المحيط الأطلسي مع اقتراب الأسواق من مساره المتوقع للسياسة النقدية، إلى جانب اتساع الفارق بين العوائد قصيرة الأجل وطويلتها.
ويعني اتساع هذا الفارق ارتفاع العائد طويل الأجل مقارنة بالعائد قصير الأجل بدرجة أكبر، وهو تطور قد يعكس تغير توقعات المستثمرين بشأن مسار الفائدة والتضخم والنمو الاقتصادي.
الأسواق أمام مرحلة جديدة من عدم اليقين
تعكس توقعات «إيه بي إن أمرو» استمرار حالة عدم اليقين بشأن توقيت التحول من التشديد النقدي إلى التيسير، في ظل تداخل تأثيرات أسعار الطاقة مع اتجاهات النمو والاستثمار والتطورات المالية الحكومية.
وبينما توفر الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي والطاقة دعمًا للنشاط الاقتصادي، فإن استمرار الضغوط التضخمية قد يحد من قدرة البنوك المركزية على خفض الفائدة بالسرعة التي كانت تتوقعها الأسواق.
وتظل هذه التقديرات رهينة تطورات أسعار الطاقة ومسار التضخم والبيانات الاقتصادية المقبلة، إذ يمكن لأي تغير جوهري في هذه العوامل أن يدفع البنوك المركزية إلى تعديل قراراتها، سواء باتجاه مزيد من التشديد أو تسريع خفض أسعار الفائدة.
وبالنسبة إلى المستثمرين والشركات، فإن استمرار الفائدة المرتفعة حتى عام 2027، إذا تحققت توقعات البنك، يعني ضرورة التعامل بحذر مع تكاليف التمويل وتقييمات الأصول وخطط الاستثمار، مع متابعة الفروق بين مسارات السياسة النقدية في الاقتصادات الكبرى.