يستعد البنك المركزي الأوروبي لاتخاذ قرار جديد بشأن أسعار الفائدة خلال اجتماعه المرتقب الخميس المقبل، وسط توقعات واسعة برفعها بمقدار 25 نقطة أساس للمرة الثانية، في وقت بدأت فيه الأسواق تترقب ما إذا كان البنك سيمدد دورة التشديد النقدي بزيادة ثالثة قبل نهاية العام.
ويأتي القرار في ظل ضغوط تضخمية متجددة وارتفاع في تكاليف الطاقة، بالتزامن مع استمرار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وهي عوامل تضع صناع السياسة النقدية أمام معادلة دقيقة بين احتواء التضخم والحفاظ على زخم النمو الاقتصادي.
التضخم يضع «المركزي الأوروبي» تحت الضغط
وسجل معدل التضخم في منطقة اليورو خلال أغسطس 3.3%، ليسجل أعلى مستوى له في نحو 3 سنوات، متجاوزًا بشكل كبير مستهدف البنك المركزي الأوروبي البالغ 2%.
ورغم تراجع التضخم الأساسي بصورة فاقت التوقعات، فإن هذه الإشارة لم تكن كافية حتى الآن لتغيير اتجاه البنك نحو تشديد السياسة النقدية، خصوصًا مع عودة أسعار الطاقة إلى الارتفاع واعتماد اقتصادات منطقة اليورو بدرجة كبيرة على واردات الطاقة.
وتشير التوقعات إلى أن قوة النمو الاقتصادي نسبيًا قد تمنح البنك مساحة أكبر لمواصلة رفع الفائدة، في محاولة لمنع الضغوط السعرية من التحول إلى اتجاه أكثر رسوخًا.
الأنظار تتجه إلى قرار ديسمبر
وبينما يبدو رفع الفائدة في سبتمبر شبه محسوم، فإن السؤال الأصعب يتمثل في الخطوة التالية، وهل يكتفي البنك بهذه الزيادة أم يتجه إلى رفع ثالث في ديسمبر.
وتشير تحركات الأسواق إلى تزايد احتمالات الزيادة الثالثة، بعدما أعاد عدد من المؤسسات المالية الكبرى، بينها «جيه بي مورجان» و«سوسيتيه جنرال» و«بي إن بي باريبا»، تقييم توقعاتها خلال الأيام الأخيرة باتجاه ترجيح رفع الفائدة مرة أخرى.
في المقابل، لا يزال معظم الاقتصاديين يتوقعون أن تكون زيادة سبتمبر هي الأخيرة في الوقت الحالي، مع استمرار حالة عدم اليقين بشأن تأثير أسعار الطاقة على التضخم والنشاط الاقتصادي.
انقسام داخل دوائر السياسة النقدية
وتكشف تصريحات مسؤولي البنوك المركزية الأوروبية عن اختلاف في تقدير مسار الفائدة خلال الفترة المقبلة.
فقد رجح محافظ البنك المركزي الليتواني جيديميناس شيمكوس أن زيادة سبتمبر قد لا تكون كافية، في حين اتسمت تصريحات رئيس البنك المركزي الألماني يواخيم ناغل بمزيد من الحذر تجاه إعطاء إشارات مبكرة بشأن قرار ديسمبر.
ويعكس هذا التباين صعوبة تحديد المسار المناسب للسياسة النقدية في ظل تغيرات أسعار الطاقة وتداعيات التطورات الجيوسياسية.
النفط والغاز كلمة السر
وتكتسب أسعار النفط والغاز أهمية خاصة في حسابات البنك المركزي الأوروبي، إذ إن أي موجة جديدة من ارتفاع تكاليف الطاقة قد تزيد الضغوط التضخمية في منطقة تعتمد على الاستيراد لتلبية جزء كبير من احتياجاتها.
ويرى محللو «بلومبرغ إيكونوميكس» أن اجتماع البنك المقبل لن يقتصر الاهتمام فيه على قرار رفع الفائدة المتوقع، وإنما سيمتد إلى لغة البيان والتصريحات المتعلقة بالخطوة التالية.
وبحسب تقديراتهم، فإن ارتفاع أسعار الغاز وتجدد تقلبات سوق النفط قد يدفع مؤيدي التشديد النقدي إلى الضغط من أجل زيادة أخرى في ديسمبر، إلا أن تشديد الأوضاع المالية وعدم وجود مؤشرات قوية حتى الآن على انتقال صدمة الطاقة إلى مختلف مكونات الاقتصاد قد يقفان أمام هذا الاتجاه.
مواجهة بين التضخم والنمو
ويحاول البنك المركزي الأوروبي، من خلال سياسته النقدية، تجنب تكرار الانتقادات التي واجهها بعد تأخر الاستجابة لصدمة ارتفاع تكاليف المعيشة في 2022، الأمر الذي يجعل التعامل مع موجة التضخم الحالية أكثر حذرًا.
وفي الوقت نفسه، فإن استمرار متانة النمو قد يقلل المخاوف من تأثير رفع الفائدة على النشاط الاقتصادي، ويمنح صناع السياسة مبررًا لمواصلة التشديد إذا ظلت معدلات التضخم أعلى من المستهدف.
وبذلك، قد يتحول اجتماع سبتمبر من مجرد محطة متوقعة لرفع الفائدة إلى نقطة انطلاق لمعركة جديدة داخل البنك المركزي الأوروبي حول ما إذا كانت زيادة ديسمبر ضرورة لمواجهة التضخم أم خطوة قد تحمل مخاطر أكبر على النمو.