صندوق النقد يطالب النمسا بإصلاحات أعمق لإنعاش النمو وكبح تصاعد الدين العام


Tue 21 Jul 2026 | 09:14 AM
محمد سلامة

رسم صندوق النقد الدولي صورة حذرة لمسار الاقتصاد النمساوي، مؤكداً أن البلاد تجاوزت مرحلة الركود، لكنها لا تزال تواجه تحديات كبيرة تهدد استدامة التعافي، أبرزها ارتفاع تكاليف الطاقة، وتباطؤ نمو الإنتاجية، وتزايد الضغوط على المالية العامة. ودعا الصندوق الحكومة النمساوية إلى تسريع تنفيذ إصلاحات هيكلية ومالية أعمق لضمان عودة الاقتصاد إلى مسار نمو قوي خلال السنوات المقبلة.

وفي ختام مشاورات المادة الرابعة لعام 2026، توقع صندوق النقد استمرار نمو الاقتصاد النمساوي خلال العام الحالي، لكن بوتيرة محدودة تبلغ 0.6%، مقارنة بنحو 1% خلال عام 2025. ويرى الصندوق أن التعافي سيتسارع تدريجياً خلال عامي 2028 و2029 مع تراجع تأثير صدمة أسعار الطاقة واستقرار معدلات ادخار الأسر، إلا أن الطريق نحو نمو مستدام سيظل مرتبطاً بقدرة الحكومة على تنفيذ إصلاحات واسعة.

عودة الضغوط التضخمية بفعل أسعار الطاقة

وأشار التقرير إلى أن التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط انعكست سريعاً على أسواق الطاقة، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الوقود وعودة الضغوط التضخمية بعد فترة من التراجع. ويتوقع الصندوق أن يبلغ متوسط التضخم في النمسا نحو 3.2% خلال عام 2026، بزيادة قدرها 1.4 نقطة مئوية عن التقديرات السابقة، قبل أن يبدأ في الانخفاض تدريجياً مع انحسار تأثير صدمة الطاقة.

وحذر صندوق النقد من أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب تصاعد المنافسة في الأسواق التصديرية، يمثلان أبرز المخاطر التي قد تعيق تعافي الاقتصاد النمساوي خلال المرحلة المقبلة.

خفض العجز يتطلب إجراءات إضافية

وفي الجانب المالي، اعتبر صندوق النقد أن هدف الحكومة النمساوية خفض عجز الموازنة إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2028 يمثل هدفاً مناسباً وطموحاً، لكنه أشار إلى أن الإجراءات الحالية لن تكون كافية لتحقيقه.

ودعا الصندوق إلى تبني حزمة إضافية من الإصلاحات المالية تركز على خفض الإنفاق بصورة مستدامة بدلاً من الاعتماد على زيادة الضرائب، مع ضرورة إعادة النظر في أنظمة التقاعد والرعاية الصحية وبرامج الدعم الحكومي.

كما أوصى بأن تكون إجراءات دعم الطاقة مؤقتة وموجهة بشكل أكبر إلى الأسر والفئات الأكثر تأثراً بارتفاع الأسعار، بدلاً من استمرار الدعم الواسع الذي يضغط على المالية العامة.

الإنتاجية التحدي الأكبر أمام الاقتصاد

وأكد الصندوق أن التحدي الأساسي أمام النمسا لا يقتصر على معالجة العجز والدين العام، بل يتمثل أيضاً في استعادة نمو الإنتاجية وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد.

وأوضح أن تحقيق ذلك يتطلب إصلاحات هيكلية تشمل تحسين أداء سوق العمل، ورفع كفاءة الإنفاق على البحث والتطوير، وتخفيف القيود التنظيمية التي تعيق الاستثمار، إلى جانب تسريع مشاريع الطاقة المتجددة وتطوير البنية التحتية للطاقة.

ويرى الصندوق أن تعزيز الإنتاجية سيكون العامل الحاسم في قدرة الاقتصاد النمساوي على مواجهة الضغوط الخارجية وتحقيق معدلات نمو أعلى على المدى الطويل.

القطاع المصرفي يحافظ على متانته

ورغم البيئة الاقتصادية الصعبة، أكد صندوق النقد أن النظام المالي النمساوي لا يزال يتمتع بدرجة جيدة من المرونة. وأظهرت اختبارات الضغط قدرة البنوك على مواجهة الصدمات المحتملة، مع استمرار الحاجة إلى مراقبة المخاطر المرتبطة بالتمويل العقاري التجاري، والتعرض للأسواق في وسط وشرق أوروبا.

وشدد الصندوق على أهمية مواصلة تعزيز الرقابة الاحترازية وأدوات إدارة الأزمات المالية للحفاظ على استقرار القطاع المصرفي.

ارتفاع الدين العام واستقرار البطالة

وفق تقديرات صندوق النقد، من المتوقع أن يرتفع الدين العام النمساوي إلى 82.3% من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2026، مقارنة بـ81.4% في عام 2025، فيما يُتوقع أن يستقر عجز الموازنة عند 4.2% من الناتج المحلي الإجمالي.

كما يرجح الصندوق بقاء معدل البطالة عند مستوى 5.7% خلال العام، مع توقع عودة النمو الاقتصادي إلى 1% في عام 2027 بالتزامن مع تراجع التضخم إلى 2.8%.

إصلاحات اليوم تحدد قوة تعافي الغد

وتعكس رسالة صندوق النقد أن الاقتصاد النمساوي بدأ الخروج من مرحلة الركود، لكنه لم يدخل بعد مرحلة التعافي القوي. فبينما تمثل صدمات الطاقة والمنافسة العالمية ضغوطاً خارجية، يبقى ضعف الإنتاجية وارتفاع الدين العام التحديين الرئيسيين أمام صناع القرار.

ويرى الصندوق أن نجاح النمسا في تنفيذ إصلاحات مالية وهيكلية متوازنة سيكون العامل الأهم في استعادة زخم النمو وتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة التحديات خلال السنوات المقبلة.