لم تعد معدلات التضخم أو أسعار الفائدة وحدها المؤشرات الحاسمة في تقييم مستقبل الاقتصاد العالمي، إذ باتت المخاطر الجيوسياسية، وفي مقدمتها أمن الطاقة والممرات البحرية الحيوية والتنافس التكنولوجي، عوامل رئيسية في توجيه قرارات الاستثمار ورسم السياسات الاقتصادية.
وفي أحدث تقاريرها للاستشراف الجيوسياسي، رفعت شركة بلاك روك، أكبر شركة لإدارة الأصول في العالم، تصنيف أمن الطاقة إلى فئة "المخاطر العالية"، في إشارة إلى التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي تحت تأثير التوترات الإقليمية، والتهديدات السيبرانية، والانقسام التكنولوجي بين القوى الكبرى.
أمن الطاقة في صدارة المخاطر
يرى التقرير أن التوترات المستمرة في منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما تلك المرتبطة بمضيق هرمز، أعادت أمن الطاقة إلى واجهة المخاطر العالمية، بعدما أصبحت الإمدادات النفطية والغازية أكثر عرضة للتقلبات الجيوسياسية.
وأشار التقرير إلى أن الاضطرابات المرتبطة بالنزاعات الإقليمية، بما فيها التوترات مع إيران، أسهمت في خلق أكبر ضغوط على أسواق الطاقة منذ سبعينيات القرن الماضي، إذ طالت تدفقات نفطية تتجاوز مليار برميل، إضافة إلى نحو 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال عالمياً.
وأدت هذه التطورات إلى ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة تقلبات الأسواق المالية، كما دفعت عدداً من الدول إلى السحب من احتياطياتها النفطية الاستراتيجية وتسريع جهود تنويع مصادر الإمدادات لتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة.
مضيق هرمز... مصدر دائم لعدم اليقين
ورغم استمرار التهدئة النسبية بين الولايات المتحدة وإيران، فإن بلاك روك أبقت احتمالات تصاعد التوتر في الشرق الأوسط ضمن فئة المخاطر المرتفعة.
ويشير التقرير إلى أن التقدم في المفاوضات المتعلقة باستقرار الملاحة عبر مضيق هرمز لا يزال محدوداً، في وقت تتراجع فيه فرص التوصل إلى اتفاق شامل بشأن البرنامج النووي الإيراني على المدى القريب، وهو ما يبقي احتمالات عودة التصعيد قائمة ويزيد من حالة عدم اليقين في أسواق الطاقة.
الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي يفرضان واقعاً جديداً
وسلط التقرير الضوء على تنامي المخاطر السيبرانية، بعدما دمج الأمن السيبراني والأنشطة الإرهابية ضمن فئة واحدة من المخاطر العالية.
ورصدت بلاك روك تصاعد الهجمات الإلكترونية المدعومة من بعض الدول، إلى جانب ظهور تحديات جديدة فرضها الانتشار المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، والتي باتت تؤثر في الأمن القومي، والبنية التحتية الحيوية، والأنشطة التجارية والمالية على حد سواء.
الانقسام التكنولوجي يعمق المنافسة العالمية
كما صنف التقرير الانفصال التكنولوجي المتزايد بين الولايات المتحدة والصين ضمن أبرز المخاطر الاستراتيجية التي تواجه الاقتصاد العالمي.
وتتوقع المؤسسة أن يتحول الذكاء الاصطناعي إلى أحد أهم ملفات الصراع الاقتصادي والسياسي خلال السنوات المقبلة، في ظل الجدل المتزايد حول استهلاك الطاقة في مراكز البيانات، والأطر التنظيمية، وتأثير الأتمتة في أسواق العمل ومستويات التوظيف.
التجارة العالمية تتكيف مع الواقع الجديد
ورغم تصاعد السياسات الحمائية وفرض الرسوم الجمركية، لم يعتبر التقرير أن التجارة العالمية دخلت مرحلة انكماش شامل، بل رأى أنها تمر بعملية إعادة تشكيل تتوافق مع التحولات الجيوسياسية وسلاسل الإمداد الجديدة.
وأشار إلى أن الشركات والدول تتجه بصورة متزايدة إلى تنويع الشركاء التجاريين وإعادة توزيع الاستثمارات والإنتاج بما يعزز المرونة في مواجهة الأزمات المستقبلية.
مخاطر متوسطة تعيد تشكيل النظام الدولي
وضمن فئة المخاطر المتوسطة، أدرجت بلاك روك عدداً من الملفات الجيوسياسية التي تواصل التأثير في الاقتصاد العالمي، من أبرزها المنافسة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والصين، واستمرار الحرب الروسية الأوكرانية، والتوترات الأمنية في شبه الجزيرة الكورية، إضافة إلى مستقبل العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين.
اقتصاد عالمي تحكمه الجغرافيا السياسية
تعكس قراءة بلاك روك تحولاً جوهرياً في طريقة تقييم المخاطر الاقتصادية، إذ لم تعد المؤشرات التقليدية كالتضخم والنمو وأسعار الفائدة كافية لفهم اتجاهات الأسواق.
وباتت قضايا أمن الطاقة، والممرات البحرية، والتكنولوجيا المتقدمة، والأمن السيبراني تمثل عناصر أساسية في رسم السياسات الاقتصادية والاستثمارية، ما يفرض على الحكومات والمؤسسات المالية تطوير استراتيجيات أكثر مرونة لإدارة المخاطر في بيئة عالمية تتسم بارتفاع مستويات التقلب وعدم اليقين.