أكد الخبير الاقتصادي باهر عبد العزيز أن معيار ISO 20022 يمثل أحد أهم التحولات الاستراتيجية التي يشهدها القطاع المالي العالمي، موضحًا أنه لا يعد مجرد تحديث تقني لأنظمة رسائل المدفوعات، بل يمثل إعادة صياغة كاملة لطريقة تبادل البيانات المالية بين البنوك والمؤسسات المالية، بما يفتح الباب أمام جيل جديد من الخدمات الرقمية القائمة على البيانات.
وقال عبد العزيز إن المقولة التي أصبحت تحكم المنافسة في القطاع المالي خلال المرحلة الحالية هي: "من يملك البيانات الأفضل.. يملك القرار الأفضل"، مشيرًا إلى أن البيانات أصبحت أصلًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن رأس المال والسيولة، خاصة مع تسارع التحول الرقمي واعتماد المؤسسات المالية على التحليلات المتقدمة والذكاء الاصطناعي في تطوير الخدمات واتخاذ القرارات.
وأوضح أن ISO 20022 يعد لغة مالية عالمية موحدة تهدف إلى تحسين جودة تبادل المعلومات المالية بين مختلف الأنظمة والبنوك وشبكات المدفوعات، من خلال توفير بيانات أكثر تفصيلًا وتنظيمًا مقارنة بالمعايير التقليدية، وهو ما يرفع كفاءة العمليات المالية ويعزز سرعة ودقة تنفيذ المعاملات.
وأضاف أن أهمية المعيار تأتي من قدرته على معالجة العديد من التحديات التي واجهت أنظمة الرسائل المالية التقليدية، والتي كانت تعتمد على بيانات محدودة، مما قلل من قدرة المؤسسات على تحليل المعلومات والاستفادة منها بشكل كامل.
وأشار إلى أن ISO 20022 يوفر هيكلًا موحدًا للبيانات المالية، بما يسمح بتبادل المعلومات بين الأنظمة المختلفة بسهولة أكبر، ويعزز التكامل بين البنوك ومؤسسات الدفع والأسواق المالية حول العالم.
تحسين المدفوعات وتقليل الأخطاء التشغيلية
ولفت عبد العزيز إلى أن تطبيق المعيار يساهم في تحسين جودة المدفوعات من خلال توفير معلومات أكثر دقة حول المعاملات المالية، بما يقلل من الأخطاء التشغيلية وعمليات الرفض والاستفسارات اليدوية، ويسرع من تنفيذ التحويلات المالية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على تحسين تجربة العملاء.
وأكد أن أحد أهم مكاسب ISO 20022 يتمثل في رفع معدلات المعالجة الآلية المباشرة للعمليات المالية (Straight Through Processing - STP)، حيث تستطيع الأنظمة تنفيذ المعاملات من البداية إلى النهاية دون تدخل بشري أو إعادة إدخال البيانات، الأمر الذي يخفض التكلفة التشغيلية ويرفع كفاءة المؤسسات المالية.
دور محوري في تعزيز الامتثال ومكافحة الاحتيال
وأوضح الخبير الاقتصادي أن المعيار الجديد يمنح البنوك قدرة أكبر على تعزيز أنظمة الرقابة والامتثال، من خلال توفير بيانات أكثر تفصيلًا تساعد في عمليات فحص العقوبات الدولية، ومكافحة غسل الأموال، والتحقق من الأطراف المشاركة في المعاملات.
وأشار إلى أن البيانات الغنية المصاحبة للمدفوعات ستدعم كذلك تطوير أنظمة مكافحة الاحتيال، عبر تحسين قدرة المؤسسات على اكتشاف الأنماط غير الطبيعية وتحليل سلوك المعاملات، بما يقلل المخاطر التشغيلية ويرفع مستويات الأمان.
البيانات أساس القرارات الاستراتيجية للبنوك
وقال عبد العزيز إن القيمة الحقيقية لـ ISO 20022 لا تتوقف عند سرعة تنفيذ المدفوعات، لكنها تمتد إلى توفير قاعدة بيانات أكثر جودة تساعد المؤسسات المالية على تحليل سلوك العملاء، وتطوير منتجات مالية جديدة، وإدارة السيولة بكفاءة أكبر، وإعداد تقارير أكثر دقة لدعم القرارات الاستراتيجية.
وأضاف أن القطاع المالي العالمي ينتقل حاليًا من مرحلة التركيز على نقل الأموال فقط إلى مرحلة جديدة تهتم بنقل الأموال مصحوبة بالبيانات الصحيحة والكاملة، باعتبار أن المعلومات أصبحت عنصرًا رئيسيًا في بناء منظومة مالية أكثر ذكاءً وشفافية.
مستقبل المدفوعات العابرة للحدود
وأشار إلى أن ISO 20022 سيكون له دور مهم في تطوير المدفوعات الدولية، من خلال تحسين إمكانية تتبع المعاملات المالية عبر مختلف الأطراف المشاركة في سلسلة الدفع، وتقليل الاستفسارات، وتسريع عمليات التسوية، وزيادة مستوى الثقة والشفافية في التحويلات العابرة للحدود.
واختتم عبد العزيز تصريحاته بالتأكيد على أن ISO 20022 يمثل حجر الأساس للجيل القادم من الخدمات المالية الرقمية، وأن المؤسسات التي تنجح في إدارة البيانات وتحليلها ستكون الأكثر قدرة على المنافسة خلال السنوات المقبلة، موضحًا أن مستقبل الصناعة المالية لن يعتمد فقط على حجم الأموال المتداولة، بل على جودة البيانات المصاحبة لهذه الأموال وقدرة المؤسسات على تحويلها إلى قرارات وقيمة اقتصادية.
يذكر ان البنك المركزي المصري كان قد اعلن عن انتقال القطاع المصرفي المصري اعتبارًا من 21/6/2026 إلى اعتماد معيار ISO 20022 الدولي الخاص برسائل السويفت في التحويلات المالية بين البنوك المصرية.