شريحة إلكترونية تواجه «التقليد الفائق».. كيف تتحول أصالة السلع الفاخرة إلى قيمة اقتصادية؟


Sat 17 Oct 2026 | 02:28 PM
محمد سلامة

لم تعد حماية السلع الفاخرة من التقليد تقتصر على العلامات الأمنية أو شهادات الأصالة التقليدية، في ظل تطور قدرات المقلدين على إنتاج نسخ شديدة الدقة يصعب تمييزها عن المنتجات الأصلية. ومع تصاعد هذا التحدي، تتجه شركات التكنولوجيا إلى تطوير حلول تربط السلعة المادية بهوية رقمية موثقة، بما يعزز القدرة على التحقق من أصالتها ويحمي قيمتها التجارية.

وفي هذا السياق، تسعى الشركة الناشئة «فيريتاس» (Veritas) إلى توسيع نطاق استخدام شريحة إلكترونية تدمج داخل المنتجات، لتوفير وسيلة أكثر أمانًا للتحقق من أصالتها، مع إمكانات تتجاوز مكافحة التزييف إلى إدارة سجلات الملكية وتقديم خدمات رقمية للمستهلكين. 

وتستهدف الشركة توظيف تقنيتها في قطاعات متعددة، تشمل المجوهرات والجوائز والمنتجات ذات الأسطح الصلبة وزجاجات العطور، بما يفتح أمام العلامات التجارية فرصًا جديدة لتعزيز ثقة العملاء وتطوير مصادر إضافية للقيمة.

شريحة إلكترونية تربط المنتج بهويته الرقمية

تأسست «فيريتاس» على يد لوسي هولاند، المديرة السابقة لإدارة المنتجات التقنية في شركة «تسلا»، والتي تجمع بين الخبرة التكنولوجية والخلفية في التصميم والفنون. وتعمل الشركة على تطوير شريحة إلكترونية يمكن دمجها في المنتجات دون إتلافها، لتصبح جزءًا من آلية التحقق من الأصالة، بدلًا من الاعتماد على بيانات رقمية منفصلة يسهل نسخها أو إعادة استخدامها.

وتتيح التقنية للعلامات التجارية التحقق من أصالة منتجاتها، فيما يمكن للمستهلكين الاطلاع على شهادة ملكية عبر تطبيق الشركة، بما يربط السلعة المادية بسجل رقمي يمكن الرجوع إليه.

وتكمن أهمية هذا النهج في معالجة إحدى الثغرات التي تواجه بعض حلول التحقق التقليدية، إذ يمكن نسخ رموز الاستجابة السريعة (QR) أو إعادة استخدام روابط ثابتة تعتمد على تقنية الاتصال قريب المدى (NFC)، ما قد يسمح بتمرير بيانات مزيفة على أنها مرتبطة بمنتج أصلي.

ولمواجهة هذه المخاطر، تجمع «فيريتاس» بين استجابات آمنة تصدر عن الشريحة وآلية مدمجة لاكتشاف العبث. وتولد الشريحة استجابة موثقة عند كل تمرير للهاتف عليها، فيما يتضمن تصميمها سلكًا مخصصًا لرصد محاولات التلاعب، بما يعزز الارتباط بين المنتج المادي وهويته الرقمية.

وتستهدف هذه الخصائص جعل تزوير هوية المنتج أو نقلها إلى نسخة مقلدة أكثر صعوبة، في وقت تتزايد فيه جودة ما يعرف بـ«التقليد الفائق»، الذي يحاكي المنتجات الأصلية بدرجة عالية من الدقة.

الجيل الثاني يوسع قاعدة المنتجات المستهدفة

في إطار توسيع نطاق تطبيقات التقنية، طرحت «فيريتاس» الجيل الثاني من الشريحة، الذي أصبح جاهزًا للإنتاج وفقًا لهولاند، مع قدرات إضافية تتيح تشغيله على الأسطح المعدنية ومسحه ضوئيًا عبر الزجاج.

ويمثل هذا التطور خطوة مهمة نحو توسيع قاعدة المنتجات القابلة للاستفادة من التقنية، لتشمل المجوهرات والجوائز والمقتنيات والمنتجات ذات الأسطح الصلبة، إلى جانب الأشياء الزجاجية، مثل زجاجات العطور، مع إمكانات لدمجها في الملابس.

ويمنح هذا التوسع العلامات التجارية مرونة أكبر في إدراج وسائل التحقق من الأصالة داخل منتجاتها، بدلًا من الاعتماد على حلول خارجية أو تقنيات لا تناسب جميع الخامات والأشكال.

ومن الناحية التجارية، قد يسهم دمج آليات التحقق داخل المنتج نفسه في تعزيز ثقة المستهلكين، والحد من المخاطر المرتبطة بتداول السلع المزيفة، خصوصًا في الأسواق التي تعتمد فيها الأسعار على سمعة العلامة التجارية وندرة المنتج وتاريخه.

من مكافحة التزييف إلى توثيق المقتنيات

بدأت الشركة بالفعل توسيع استخدام تقنيتها من خلال شراكات وتطبيقات عملية تعكس إمكانات تتجاوز إثبات الأصالة.

وأعلنت «فيريتاس» شراكة مع «أثلوس» (Athlos)، وهي منافسة لألعاب القوى النسائية أسسها أليكسيس أوهانيان، الشريك المؤسس لمنصة «ريديت» وأحد المستثمرين في الشركة. وبموجب الشراكة، ستُدمج شرائح «فيريتاس» في التيجان الـ18 الخاصة بالبطولة، بما يتيح التحقق من أصالتها.

كما دمجت الشركة شريحة في أحد أزواج الأحذية الأولى التي ارتداها لاعب كرة السلة ليبرون جيمس من «نايكي»، بعد إعادة تصميمه على يد الفنان آدم بورت. ويمكن للمستخدم تمرير هاتفه على الحذاء للاطلاع على تاريخه وقصته، في نموذج يوضح كيف يمكن توظيف التقنية لتوثيق المقتنيات المرتبطة بأحداث أو شخصيات بعينها.

وتعكس هذه التطبيقات فرصة لاستخدام الهوية الرقمية في سوق المقتنيات الفاخرة والرياضية، حيث لا تتحدد قيمة المنتج بخاماته أو علامته التجارية فقط، بل قد ترتبط أيضًا بتاريخه وملكيته السابقة وارتباطه بشخصية أو مناسبة محددة.

ومن شأن توثيق هذه المعلومات رقميًا أن يدعم الثقة في تداول المقتنيات، مع إتاحة تجارب أكثر تفاعلية للملاك والمشترين المحتملين، وإن كانت القيمة الفعلية لهذه الاستخدامات ستظل مرتبطة بموثوقية البيانات المسجلة ومدى اعتماد السوق عليها.

تمويل أولي يساند التوسع التجاري

جمعت «فيريتاس» تمويلًا أوليًا بقيمة 1.75 مليون دولار، بقيادة شركة الاستثمار «سيفن سيفن سيكس» (Seven Seven Six) التابعة لأوهانيان، وبمشاركة ستانلي تانج، الشريك المؤسس لشركة «دور داش»، وجلوريا تشو، الشريكة المؤسسة لعلامة العناية بالبشرة «ريز»، وجوش كونستين، المحرر السابق في «تك كرانش».

ومنذ جولة التمويل التي نفذتها الشركة في فبراير، أطلقت تطبيقًا للمستهلكين على نظام «آي أو إس»، إلى جانب بوابة إلكترونية مخصصة للعلامات التجارية، تتيح إدارة سجلات المنتجات وإنشاء تجارب رقمية مخصصة للمالكين.

ولا تقتصر إمكانات هذه المنظومة على التحقق من أصالة المنتجات، إذ يمكن للعلامات التجارية توظيفها لتقديم خدمات إضافية، مثل إنشاء نوادي للعملاء، وتسجيل الحضور في الفعاليات، وإتاحة الوصول المبكر إلى الإصدارات الجديدة لفئات محددة من المستهلكين.

ويعكس هذا التوجه محاولة لتحويل الشريحة من أداة لمكافحة التزييف إلى منصة لإدارة العلاقة بين العلامة التجارية والعميل بعد إتمام عملية البيع، بما قد يدعم الاحتفاظ بالعملاء، ويعزز الولاء للعلامة التجارية، ويفتح المجال أمام تجارب وخدمات مرتبطة بملكية المنتج.

«فيريتاس» تراهن على سوق أوسع من الأزياء الفاخرة

وفي إطار سعيها إلى تعزيز حضورها، شاركت الشركة في مسابقة «ستارت أب باتلفيلد» ضمن مؤتمر «تك كرانش ديسربت 2026»، الذي أقيم مؤخرًا.

وتتحرك «فيريتاس» عبر مسارين متكاملين؛ أولهما تطوير تقنية يصعب تجاوزها للتحقق من أصالة المنتجات، وثانيهما توسيع الاستخدامات التجارية للهوية الرقمية، بما يتيح للعلامات التجارية تقديم خدمات تتجاوز عملية البيع التقليدية.

وتكمن الفرصة الاقتصادية في إمكانية الجمع بين حماية قيمة المنتج وتعزيز تجربة العميل. فتوثيق هوية كل سلعة وسجل ملكيتها قد يساعد العلامات التجارية على تعزيز ثقة المستهلك، وتطوير برامج ولاء أكثر ارتباطًا بالمنتج، وتقديم مزايا حصرية للملاك، بما يطيل أمد العلاقة التجارية مع العميل.

كما أن توسيع استخدام الشريحة ليشمل المجوهرات والجوائز والمقتنيات والمنتجات الزجاجية يتيح للشركة استهداف أسواق تتجاوز الأزياء الفاخرة، ويزيد من تنوع القطاعات المحتملة للاستفادة من تقنيتها.

ومع ذلك، فإن تحويل هذه الإمكانات إلى نموذج أعمال واسع النطاق يتوقف على عدة عوامل، أبرزها قدرة الشركة على استقطاب مزيد من العلامات التجارية، وتسهيل دمج الشريحة في منتجات مختلفة، وإثبات جدواها الاقتصادية مقارنة بتكلفة تطبيقها، فضلًا عن بناء ثقة المستهلكين في آليات التحقق والسجلات الرقمية المرتبطة بها.

وفي المحصلة، تسعى «فيريتاس» إلى إعادة تعريف دور التكنولوجيا في سوق السلع الفاخرة، من مجرد أداة لمواجهة التقليد إلى بنية رقمية تربط أصالة المنتج بملكيته وتاريخه وتجربة استخدامه. وإذا نجحت الشركة في توسيع قاعدة اعتماد تقنيتها، فقد تتحول حماية الأصالة من تكلفة تتحملها العلامات التجارية إلى أداة لدعم القيمة التجارية للمنتجات، وتعزيز ولاء العملاء، وتطوير خدمات رقمية جديدة حولها.