555 مليار روبية تجذبها اكتتابات الهند من المستثمرين الأجانب رغم نزوح قياسي عن البورصة


Thu 15 Oct 2026 | 11:09 AM
أسماء السيد

في مفارقة تعكس تحولًا في استراتيجيات الاستثمار الأجنبي بالسوق الهندية، يواصل المستثمرون الدوليون ضخ مليارات الروبيات في الاكتتابات العامة الأولية، بالتزامن مع استمرار تخارجهم من الأسهم المتداولة في البورصة للعام الثالث على التوالي. 

ويكشف هذا التباين عن توجه متزايد نحو اقتناص فرص استثمارية محددة في الشركات الجديدة، بدلًا من الرهان على السوق الهندية بأكملها، في ظل اختلاف التقييمات وتوقعات النمو بين الشركات المطروحة حديثًا ونظيراتها المدرجة، وفقًا لما أورده موقع «بيزنس ستاندرد» الهندي.

وبحسب بيانات شركة «برايم داتابيز» المتخصصة في قواعد بيانات الأسواق المالية، ضخ المستثمرون الأجانب نحو 555.24 مليار روبية هندية في السوق الأولية منذ بداية عام 2026 وحتى موعد نشر التقرير، من خلال الاكتتابات العامة الأولية، في حين بلغت مبيعاتهم في السوق الثانوية مستوى قياسيًا قدره 3.15 تريليون روبية حتى نهاية سبتمبر الماضي.

ويعكس الفارق بين المسارين تحولًا في أولويات المستثمرين الأجانب، الذين يواصلون البحث عن فرص واعدة في الإصدارات الجديدة، رغم الضغوط التي تدفعهم إلى تقليص مراكزهم في الأسهم المتداولة بالبورصة.

الاكتتابات تستقطب السيولة رغم ضغوط السوق الثانوية

لا يمثل التباين بين تدفقات الاستثمار إلى الاكتتابات ومبيعات الأسهم المدرجة ظاهرة جديدة في السوق الهندية، إذ تشير البيانات التاريخية إلى استمرار هذا النمط خلال السنوات الماضية، وإن اختلفت أحجام التدفقات من عام إلى آخر.

وخلال عام 2025، باع المستثمرون الأجانب أسهمًا مدرجة بقيمة 2.40 تريليون روبية، مقابل استثمارات بلغت 739.1 مليار روبية في الاكتتابات العامة الأولية. وفي عام 2024، سجلت مبيعاتهم في السوق الثانوية نحو 1.21 تريليون روبية، في حين بلغت مشترياتهم من الطروحات الجديدة قرابة 1.22 تريليون روبية.

وتوضح هذه الأرقام أن قرارات المستثمرين لا تستند بالضرورة إلى تقييم موحد للسوق الهندية، بل تتأثر بطبيعة الفرص المتاحة في كل من السوقين، ومستويات التقييم، وتوقعات النمو، والعوائد المحتملة.

ففي السوق الأولية، يستطيع المستثمرون الدخول في شركات جديدة قبل بدء تداول أسهمها، بينما يتيح السوق الثانوية تداول الأسهم القائمة، وتصبح حركة الأسعار وتقييمات الشركات المدرجة من العوامل المؤثرة في قرارات الشراء والبيع.

كما توفر بعض القطاعات سريعة النمو، مثل التكنولوجيا المالية والصناعات الحديثة، فرصًا استثمارية عبر شركات حديثة الإدراج أو تستعد لطرح أسهمها، وهو ما قد يدفع المستثمرين إلى توجيه جزء من سيولتهم نحو هذه الفرص، حتى مع تقليص استثماراتهم في قطاعات أخرى من السوق.

استثمارات انتقائية بدلًا من الرهان على السوق بأكملها

لا تعني التدفقات القوية إلى الاكتتابات العامة أن المستثمرين الأجانب استعادوا بالضرورة ثقتهم الكاملة في الأسهم الهندية، إذ قد تعكس هذه الاستثمارات تفضيل شركات بعينها بناءً على نماذج أعمالها وفرص توسعها وتقييماتها عند الطرح.

ويبرز تسعير الأسهم الجديدة بوصفه أحد العوامل الرئيسية في تحديد جاذبية الاكتتابات، إذ يمكن للسعر الذي تُطرح به الأسهم أن يمنح المستثمرين هامشًا متوقعًا لتحقيق عوائد، أو يقلص جاذبية الاستثمار إذا تجاوز التقييم مستويات النمو والأرباح التي يمكن للشركة تحقيقها.

كذلك، تختلف أهداف المستثمرين المشاركين في الطروحات؛ فبعضهم يسعى إلى تحقيق مكاسب قصيرة الأجل بعد بدء التداول، بينما يتبنى آخرون استراتيجيات استثمارية طويلة الأجل تعتمد على نمو الشركات وأدائها المالي.

ويساعد هذا الاختلاف في تفسير استمرار الإقبال على الاكتتابات بالتزامن مع تراجع الاستثمارات الأجنبية في السوق الثانوية، لكنه لا يضمن أن جميع الطروحات ستتمكن من جذب الطلب أو تحقيق أداء قوي بعد الإدراج.

طرح «ريلاينس جيو» يختبر قدرة السوق على استيعاب الإصدارات الكبرى

تتجه أنظار المستثمرين إلى الطرح العام المرتقب لشركة «ريلاينس جيو»، التابعة لمجموعة «ريلاينس»، والذي قد يمثل محطة مهمة لسوق الاكتتابات الهندية، وسط تقارير أشارت إلى إمكانية بدء الطرح في أواخر أكتوبر 2026.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية في ضوء حجم الطروحات الكبرى المتوقع دخولها السوق، وقدرتها على اختبار استعداد المستثمرين لضخ مزيد من السيولة في الإصدارات الجديدة، بالتزامن مع استمرار عمليات البيع في الأسهم المدرجة.

لكن الطروحات الضخمة قد تفرض تحديًا إضافيًا أمام الشركات الأصغر، إذ يمكن للإصدارات الكبيرة أن تستحوذ على حصة مؤثرة من السيولة المتاحة، بما يدفع المستثمرين إلى إعادة ترتيب أولوياتهم والمفاضلة بين الشركات وفقًا لحجمها وتقييمها وآفاق نموها.

وفي هذه الحالة، لن يكون حجم الشركة أو شهرة علامتها التجارية كافيًا وحده لضمان نجاح الطرح، بل ستتوقف قدرة الإصدار على استقطاب الطلب على مدى ملاءمة التقييمات لتوقعات المستثمرين، ومدى قدرتها على تقديم فرص استثمارية مقنعة مقارنة بالبدائل المتاحة.

التسعير والثقة يحددان مستقبل سوق الطروحات الهندية

في ظل التباين بين التدفقات إلى السوق الأولية ومبيعات الأسهم المدرجة، يصبح تسعير الاكتتابات عاملًا حاسمًا في الحفاظ على جاذبية السوق الهندية أمام رؤوس الأموال الأجنبية.

فالتقييمات الواقعية قد تدعم الطلب وتعزز ثقة المستثمرين في الإصدارات الجديدة، بينما يمكن أن تؤدي الأسعار المرتفعة إلى تراجع الإقبال، لا سيما إذا ظلت شهية المخاطرة محدودة واستمرت الضغوط على الأسهم المتداولة.

ومن ثم، تواجه سوق الاكتتابات الهندية اختبارًا يتجاوز قدرتها على جذب شركات كبيرة إلى البورصة؛ إذ يتمثل التحدي الحقيقي في استقطاب استثمارات مستدامة، وتقديم تقييمات تتناسب مع الأساسيات المالية للشركات، والحفاظ على توازن السيولة بين الطروحات الجديدة والسوق الثانوية.

وتكشف هذه التطورات عن تحول في سلوك المستثمرين الأجانب نحو انتقاء الفرص بدلًا من الاستثمار الواسع في السوق، وهو اتجاه قد يواصل دعم الاكتتابات ذات التقييمات الجذابة، لكنه يجعل أداء الإصدارات الجديدة أكثر ارتباطًا بجودة الشركات وتسعيرها وقدرتها على تحقيق النمو المتوقع.