تواجه السياسة النقدية الأمريكية اختبارًا جديدًا مع ترقب الأسواق بيانات التضخم لشهر سبتمبر 2026، وسط توقعات بتسارع ارتفاع أسعار المستهلكين بفعل قفزة أسعار البنزين وزيادة تكاليف الغذاء، في وقت تظل فيه الضغوط المعيشية مصدر قلق للأسر الأمريكية، ويواجه فيه الاحتياطي الفيدرالي معادلة دقيقة بين احتواء التضخم وتجنب تشديد نقدي قد يضغط على النشاط الاقتصادي.
وتشير تقديرات الاقتصاديين الواردة في استطلاع للسوق إلى ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 0.6% خلال سبتمبر، مقابل 0.4% في أغسطس، مع تسارع المعدل السنوي إلى 3.6% مقارنة بـ3.4% في الشهر السابق. وتضع هذه التوقعات أسعار الطاقة في صدارة العوامل المؤثرة في مسار التضخم، بينما يترقب المستثمرون ما إذا كانت الضغوط الجديدة ستدفع البنك المركزي إلى مواصلة التشديد النقدي أو الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير.
قفزة البنزين تزيد الضغوط على أسعار المستهلكين
تأتي توقعات ارتفاع التضخم في أعقاب صعود أسعار البنزين بنسبة 7.1% خلال سبتمبر، وفق البيانات المشار إليها لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، وسط تقديرات بأن تضيف هذه الزيادة نحو 0.3 نقطة مئوية إلى معدل التضخم العام.
كما يُرجح أن ترتفع أسعار الغذاء بنسبة لا تقل عن 0.2% خلال الشهر، بعد زيادات محدودة بلغت 0.1% في كل من يوليو وأغسطس، ما قد يزيد الضغوط على ميزانيات الأسر، خصوصًا مع استمرار ارتفاع تكاليف الاحتياجات الأساسية.
وتكتسب هذه التحركات أهمية إضافية لأن الطاقة والغذاء يمثلان مكونين رئيسيين في إنفاق المستهلكين، كما أن ارتفاع أسعار الوقود قد يمتد تأثيره إلى قطاعات النقل والتوزيع، بما يرفع تكاليف إنتاج السلع وتوصيلها إلى الأسواق.
التضخم الأساسي يخفف الضغوط على الفيدرالي
في المقابل، تشير التوقعات إلى احتمال تباطؤ التضخم الأساسي، الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة، إلى 0.2% على أساس شهري خلال سبتمبر، مقارنة بـ0.3% في أغسطس، بينما يُرجح ارتفاعه سنويًا إلى 2.5% مقابل 2.4%.
ويمثل هذا التباين بين التضخم العام والأساسي عاملًا مهمًا في تقييم الاحتياطي الفيدرالي لمسار الأسعار؛ فبينما تعكس زيادة المؤشر العام ضغوط الطاقة والغذاء، قد يشير تباطؤ المؤشر الأساسي إلى أن انتقال هذه الضغوط إلى بقية مكونات الاقتصاد لم يكتسب بعد زخمًا مماثلًا.
وقد يمنح ذلك صانعي السياسة النقدية مساحة للتريث قبل اتخاذ قرارات جديدة بشأن الفائدة، مع استمرار مراقبة تطورات سوق العمل واتجاهات الإنفاق الاستهلاكي وتوقعات التضخم.
اجتماع أكتوبر يضع أسعار الفائدة تحت المجهر
تتجه الأنظار إلى اجتماع الاحتياطي الفيدرالي المقرر يومي 27 و28 أكتوبر، إذ تسعى الأسواق إلى تحديد ما إذا كانت بيانات التضخم الجديدة ستغير توقعاتها بشأن السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.
وبحسب المعلومات الواردة في التقرير، أظهرت أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي» أن الأسواق كانت تسعّر احتمالًا يقارب 22% لرفع أسعار الفائدة خلال الاجتماع.
وتشير التقديرات الواردة إلى أن تراجع توقعات التشديد النقدي جاء بعد تباطؤ نمو الوظائف الأمريكية في سبتمبر، إلى جانب قراءات أقل من المتوقع للتضخم وفق مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي خلال يوليو وأغسطس.
ومع ذلك، يظل احتمال استئناف رفع الفائدة في ديسمبر مطروحًا إذا استمرت الضغوط التضخمية، خصوصًا إذا اتسع تأثير ارتفاع الطاقة ليشمل أسعار الخدمات والسلع الأساسية.
وقال سكوت أندرسون، كبير الاقتصاديين الأمريكيين لدى «بي إم أو كابيتال ماركتس»، إن استمرار الزيادة الشهرية في التضخم الأساسي عند حدود 0.2% قد يدعم تثبيت الفائدة في أكتوبر، لكنه لن يحسم الجدل بشأن الحاجة إلى زيادات إضافية في الاجتماعات اللاحقة.
انتقال صدمة الطاقة إلى الغذاء والخدمات يثير المخاوف
لا تقتصر المخاطر التضخمية على الزيادة المباشرة في أسعار البنزين، إذ تتمثل إحدى أبرز نقاط القلق في احتمال انتقال ارتفاع تكاليف الطاقة إلى قطاعات أخرى، بما يجعل أثر الصدمة أكثر استمرارًا وأوسع نطاقًا.
ويخشى اقتصاديون من أن يؤدي ارتفاع أسعار الديزل إلى زيادة تكاليف الشحن والتوزيع، وهو ما قد ينعكس تدريجيًا على أسعار السلع في المتاجر. كما يُتوقع أن تواجه تذاكر الطيران ضغوطًا صعودية بفعل ارتفاع تكلفة وقود الطائرات.
وفي المقابل، تشير التقديرات إلى احتمال تسجيل زيادات معتدلة في الإيجارات وارتفاع محدود في أسعار بعض السلع، مع استمرار تأثير الرسوم الجمركية الأمريكية على تكاليف الاستيراد.
وتبرز هنا أهمية التمييز بين صدمة مؤقتة في أسعار الطاقة وموجة تضخمية أكثر اتساعًا؛ فكلما امتد ارتفاع التكاليف إلى الخدمات والأجور والسلع، زادت صعوبة احتواء التضخم دون الإبقاء على سياسة نقدية متشددة لفترة أطول.
الأسر منخفضة الدخل في مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة
تتفاوت آثار التضخم بين الأسر الأمريكية بحسب مستويات الدخل وأنماط الإنفاق، إذ تتحمل الأسر منخفضة الدخل عادةً عبئًا أكبر من ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة بسبب استحواذهما على حصة مرتفعة من ميزانياتها.
ومن ثم، فإن تباطؤ التضخم الأساسي، حتى إذا تحقق، لا يعني بالضرورة تراجع الضغوط المعيشية بالوتيرة نفسها، خصوصًا إذا استمرت أسعار الوقود والمواد الغذائية في الارتفاع.
وتأتي هذه الضغوط في توقيت سياسي حساس، قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس المقررة في 3 نوفمبر، وسط تراجع ثقة المستهلكين. وأشار استطلاع مشترك لـ«رويترز» و«إبسوس»، وفقًا لما أورده التقرير، إلى أن نحو 78% من الأمريكيين يحملون سياسات الرئيس دونالد ترامب، بما يشمل الرسوم الجمركية والحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، مسؤولية ارتفاع الأسعار.
التضخم يحدد أيضًا زيادة معاشات الضمان الاجتماعي في 2027
تمتد أهمية بيانات التضخم إلى برامج الحماية الاجتماعية، إذ تُستخدم بيانات مؤشر أسعار المستهلكين للعاملين بأجر في المدن والموظفين الإداريين، المعروفة اختصارًا بـ(CPI-W)، خلال الربع الثالث من العام لتحديد التعديل السنوي لتكلفة المعيشة في إعانات الضمان الاجتماعي والدخل التكميلي.
وبحسب التقديرات الواردة في التقرير، تتوقع رابطة كبار السن زيادة تكلفة المعيشة للمعاشات بنسبة 3.5% في عام 2027، مقارنة بـ2.8% في عام 2026.
ومن شأن هذه الزيادة، وفق التقديرات نفسها، رفع متوسط المعاش الشهري للمتقاعدين بنحو 67.90 دولار ليصل إلى 2007 دولارات، بما يوفر تعويضًا جزئيًا عن ارتفاع تكاليف المعيشة.
وتظل هذه التقديرات مرتبطة بالبيانات الرسمية وآلية احتساب التعديل السنوي، كما أن الأثر الفعلي للزيادة على القوة الشرائية للمتقاعدين سيتوقف على تطور أسعار الغذاء والطاقة والإسكان خلال الفترة المقبلة.
معادلة صعبة أمام السياسة النقدية الأمريكية
تعكس توقعات سبتمبر مفارقة واضحة في الاقتصاد الأمريكي: ارتفاع التضخم العام بفعل الطاقة والغذاء، مقابل إشارات محتملة إلى تباطؤ الضغوط الأساسية. ويضع هذا التباين الاحتياطي الفيدرالي أمام ضرورة تقييم مدى استدامة موجة ارتفاع الأسعار قبل تحديد الخطوة التالية بشأن الفائدة.
فإذا ظلت الزيادة مركزة في الطاقة، فقد تتاح للبنك المركزي مساحة أكبر للانتظار ومراقبة البيانات. أما إذا انتقلت الضغوط إلى الخدمات والسلع والأجور، فقد يتجدد النقاش بشأن تشديد السياسة النقدية، حتى مع ظهور مؤشرات على تباطؤ سوق العمل.
وبين هذين المسارين، ستظل بيانات التضخم وسوق العمل وتوقعات الأسعار عوامل حاسمة في رسم اتجاه الفائدة الأمريكية، مع انعكاسات محتملة على الاقتراض والاستثمار والأسواق المالية خلال الأشهر المقبلة.