يشهد النظام العالمي للطاقة تحوّلاً هيكلياً غير مسبوق خلال القرن الحادي والعشرين، فبعد أكثر من مئة عام من الاعتماد على الوقود الأحفوري من بترول وفحم وغاز طبيعي، بدأت الاقتصاديات العالمية في التحول نحو نظم طاقة منخفضة الكربون مدفوعة بثلاثة عوامل رئيسية من اهمها التغير المناخي والالتزامات الدولية بخفض الانبعاثات والتطور التكنولوجي في الطاقة المتجددة ومتطلبات أمن الطاقة والاستقلال الاستراتيجي.
وقد أصبح هذا التحول أحد أهم التغيرات الاقتصادية والجيوسياسية في العصر الحديث، حيث تتجه الدول إلى إعادة هيكلة أنظمة الطاقة لديها بما يحقق الاستدامة البيئية والاقتصادية.
وتُعد اتفاقية المناخ العالمية التي تم إقرارها في اتفاقية باريس للمناخ عام 2015 نقطة مفصلية في تحول رئيسي في سياسات الطاقة العالمية، حيث التزمت معظم الدول بالوصول إلى الحياد الكربوني بحلول عام 2050.
العوامل الرئيسية للتحول التكنولوجي في انتاج الطاقة
خلال القرن العشرين، كان النظام العالمي للطاقة يعتمد بشكل أساسي على ثلاثة مصادر رئيسية: البترول 31% والفحم بنسبة 27% والغاز الطبيعي بنسبة 24% أما الطاقة المتجددة فكانت تمثل نسبة محدودة نسبياً من مزيج الطاقة العالمي إلا أن العقدين الماضيين شهدا توسعاً هائلاً في إنتاج الطاقة المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتقنيات تخزين الطاقة.
وأصبحت هذه المصادر تنافس اقتصادياً مصادر الطاقة التقليدية في العديد من الأسواق. وهنا لابد من الإشارة الي ان هناك عدة عوامل رئيسية تدفع الي التحول العالمي للطاقة حيث أصبح خفض انبعاثات الكربون أولوية عالمية إذ تمثل أنظمة الطاقة ما يقارب 75٪ من إجمالي الانبعاثات العالمية لغازات الاحتباس الحراري ولذلك أصبحت إزالة الكربون من قطاع الطاقة أحد أهم أهداف السياسات الدولية.
وفي نفس الفترة الزمنية فقد شهدت السنوات الأخيرة تطوراً كبيراً في تقنيات الطاقة النظيفة، ومن أهمها: انخفاض تكلفة الطاقة الشمسية بأكثر من 85٪ خلال العقد الماضي وانخفاض تكلفة طاقة الرياح بنسبة تقارب 60٪ مع تطور تقنيات التحليل الكهربائي لإنتاج الهيدروجين.
هذه التطورات جعلت الطاقة المتجددة الخيار الأكثر تنافسية في العديد من المناطق حول العالم وقد أظهرت الأزمات الجيوسياسية المتكررة هشاشة الاعتماد المفرط على مصادر الطاقة التقليدية وسلاسل الإمداد العالمية.
ومن أبرز هذه الأحداث الجارية الحرب الروسية على أوكرانيا والحرب بين إيران والولايات المتحدة الامريكية حيث دفعت هذه الأزمات العديد من الدول إلى تسريع التحول نحو مصادر الطاقة المحلية والمتجددة لتعزيز أمن الطاقة.
شهدت الطاقة المتجددة نمواً سريعاً خلال العقدين الماضيين، حيث ارتفعت القدرة العالمية المركبة للطاقة الشمسية والرياح بشكل كبير. فقد كانت القدرة العالمية عام 2000 حوالي 700 جيجاوات ومن المتوقع ان تبلغ 4500 جيجاوات عام 2030 ويعكس هذا النمو التحول التدريجي في هيكل النظام العالمي للطاقة.
ظهور اقتصاد الهيدروجين
ومع تزايد الاعتماد على الطاقة المتجددة، ظهرت الحاجة إلى ناقل طاقة نظيف يمكنه تخزين ونقل الطاقة على نطاق واسع. هنا يظهر دور الهيدروجين الأخضر باعتباره أحد أهم حلول الطاقة المستقبلية لان من الممكن للهيدروجين أن يلعب دوراً محورياً في إزالة الكربون من الصناعات الثقيلة وتخزين الطاقة المتجددة وتشغيل وسائل النقل الثقيلة وكذا إنتاج الوقود الصناعي.
وتشير التقديرات العالمية إلى أن الطلب على الهيدروجين قد يصل إلى 600 مليون طن سنوياً بحلول عام 2050. ومن المتوقع أن يصبح الهيدروجين أحد الأعمدة الرئيسية للنظام العالمي للطاقة منخفض الكربون.
ويعتمد هذا التحول على عدة عوامل منها انخفاض تكلفة التحليل الكهربائي وتوسع الطاقة المتجددة وتطوير البنية التحتية للنقل والتخزين وكذا سعي العديد من الدول إلى بناء اقتصاد هيدروجين متكامل يشمل الإنتاج والاستخدام والتصدير.
ان التحول إلى اقتصاد الهيدروجين سوف يؤدي إلى إعادة التشكيل الاستراتيجي لخريطة الطاقة العالمية. فبدلاً من الدول الغنية بالنفط والغاز، قد تصبح الدول التي تمتلك: موارد طاقة شمسية قوية وموارد رياح ومصادر مياه وموقعاً جغرافياً استراتيجياً هي المراكز الجديدة لإنتاج الطاقة. وهنا تظهر أهمية الدول الواقعة في مناطق الإشعاع الشمسي المرتفع مثل شمال أفريقيا والشرق الأوسط ومن بين هذه الدول، فان مصر تمتلك مقومات فريدة تؤهلها لتكون مركزاً عالمياً لإنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر.
ومع استمرار التحول العالمي للطاقة، يتوقع أن يتطور النظام العالمي للطاقة نحو نموذج ثلاثي المكونات وفيه الطاقة المتجددة كمصدر الإنتاج الأساسي ومعها الكهرباء كناقل للطاقة داخل الدول ثم الهيدروجين لتخزين ونقل الطاقة عالمياً. ويفتح هذا التحول فرصاً كبيرة للدول التي تمتلك موارد متجددة واسعة وبنية تحتية لوجستية قوية.
الخلاصة
في ضوء هذا التحول العالمي، فان مصر تتمتع بعدة مزايا استراتيجية تجعلها مرشحاً قوياً للعب دور رئيسي في اقتصاد الهيدروجين العالمي، ومن أبرزها:
• موقعها الجغرافي الاستراتيجي بين ثلاث قارات.
• مرور حوالي 12% - 15% من التجارة العالمية المنقولة بحرا عبر قناة السويس.
• موارد شمسية ورياح ومياه من بين الأعلى عالمياً.
• بنية تحتية للطاقة والتصدير جاهزة للاستغلال وقابلة للتطوير.
وبالتالي، يمكن أن يشكل الهيدروجين الأخضر فرصة استراتيجية قوية لتحويل مصر إلى مركز عالمي للطاقة النظيفة منخفضة الكربون.