رأى بنك قطر الوطني «QNB» أن الأداء التجاري لكوريا الجنوبية خلال عام 2026 يعكس قدرة الاقتصاد الكوري على التكيف مع التحولات المتسارعة في التجارة العالمية، مشيرًا إلى أن سول تعمل على إعادة صياغة موقعها داخل سلاسل الإمداد الدولية، مستفيدة من ريادتها في صناعة أشباه الموصلات، والنمو القوي للصادرات، وتطوير شراكات تجارية وأمنية جديدة.
وأوضح البنك، في تقريره الأسبوعي، أن كوريا الجنوبية تسعى إلى تنويع علاقاتها التجارية وتقليل اعتمادها على السوق الصينية، بالتوازي مع تعميق شراكتها مع الولايات المتحدة وتوسيع حضورها في جنوب شرق آسيا، بما يدعم قدرتها على مواجهة التحديات المرتبطة بالتغيرات في خريطة التجارة الدولية.
وأشار التقرير إلى أن صعود الصناعات الدفاعية الكورية يمثل مصدرًا إضافيًا للإيرادات، ويسهم في تعزيز حضور البلاد في الأسواق العالمية، من خلال إقامة شراكات جديدة وتطوير قطاعات صناعية استراتيجية.
صادرات قياسية تقودها طفرة أشباه الموصلات
واستند التقرير إلى الأداء القوي للصادرات الكورية، التي تجاوزت 100 مليار دولار خلال يونيو 2026 للمرة الأولى، بعدما ارتفعت بنسبة 70.9% على أساس سنوي إلى نحو 102.25 مليار دولار، مدفوعة بصورة رئيسية بالطلب القوي على أشباه الموصلات والتقنيات المرتبطة بتخزين البيانات والذكاء الاصطناعي.
كما سجلت الصادرات الكورية الجنوبية إجمالًا نحو 709.7 مليار دولار خلال عام 2025، محققة مستوى قياسيًا، فيما بلغ الفائض التجاري 78 مليار دولار، وهو الأكبر منذ عام 2017، وفق البيانات الرسمية الكورية.
وعزا QNB جانبًا كبيرًا من قوة الأداء التصديري إلى ارتفاع الطلب العالمي على رقائق الذاكرة المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، مع تسابق شركات التكنولوجيا الكبرى لتوسيع استثماراتها في مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية.
وأشار إلى أن قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات استفاد كذلك من نمو صادرات محركات الأقراص ذات الحالة الصلبة المستخدمة في تخزين بيانات الحواسيب، بالتزامن مع زيادة شحنات أشباه الموصلات.
«سامسونج» و«إس كي هاينكس» في قلب المنافسة العالمية
وأكد التقرير أن صناعة رقائق الذاكرة تمثل أحد أبرز عناصر القوة التنافسية لكوريا الجنوبية، إذ تستحوذ شركتا «سامسونج إلكترونيكس» و«إس كي هاينكس» معًا على نحو 73% من السوق العالمية لرقائق الذاكرة عالية السرعة، بحسب تقديرات أوردها البنك.
وتدخل هذه الرقائق في تطبيقات متعددة تشمل الحواسيب والهواتف الذكية ومراكز البيانات الضخمة الداعمة لتقنيات الذكاء الاصطناعي، ما يمنح الشركات الكورية موقعًا مهمًا في منظومة التكنولوجيا العالمية.
ورأى البنك أن الطلب المتنامي على هذه المنتجات يمنح كوريا الجنوبية فرصة لتعزيز صادراتها ومكانتها الصناعية، لكنه حذر في المقابل من مخاطر الاعتماد على قطاع محدود نسبيًا من المنتجات، خاصة في ظل تصاعد المنافسة العالمية واحتمالات تغير دورات الطلب على أشباه الموصلات.
تراجع الدور التجاري للصين يدفع سول لتنويع الأسواق
وفي المقابل، تواجه كوريا الجنوبية تحديات ناجمة عن التحولات في علاقاتها التجارية مع الصين، التي شكلت لعقود واحدة من أهم وجهات الصادرات الكورية وأكثرها ربحية، قبل أن تتجه بكين إلى تطوير بدائل محلية في قطاعات الإلكترونيات والمركبات الكهربائية والبطاريات.
وبحسب التقرير، تراجع الفائض التجاري الكوري مع الصين من مستويات قاربت 100 مليار دولار في عام 2018 إلى نحو 20 مليار دولار في العام الماضي، بما يعكس تغيرًا في طبيعة العلاقات التجارية بين البلدين وتصاعد المنافسة الصناعية الصينية.
وأشار QNB إلى أن هذه التطورات تدفع سول إلى البحث عن أسواق بديلة، وتعزيز التنويع الجغرافي لصادراتها، مع التركيز على جنوب شرق آسيا باعتبارها وجهة واعدة لنمو التجارة الكورية.
ولفت إلى أن الشركات الكورية أنشأت عمليات تصنيع واسعة في عدد من دول المنطقة، وأصبحت جزءًا من سلاسل الإمداد المحلية في قطاعات الإلكترونيات والمركبات والسلع الاستهلاكية، وهو ما يدعم بناء علاقات تجارية أكثر تنوعًا واستدامة.
الشراكة الأمريكية.. تجارة واستثمارات وصناعات دفاعية
وفي إطار إعادة ترتيب علاقاتها التجارية والأمنية، أشار التقرير إلى تعميق كوريا الجنوبية شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، التي شهدت اتفاقًا تجاريًا وأمنيًا أُعلن عن تفاصيله في نوفمبر 2025، تضمن خفض الرسوم الجمركية الأمريكية على السلع الكورية من 25% إلى 15%، مقابل تعهد سول باستثمارات تبلغ 350 مليار دولار في الولايات المتحدة.
وتشمل الالتزامات الاستثمارية المعلنة 150 مليار دولار في قطاع بناء السفن الأمريكي، إلى جانب استثمارات استراتيجية أخرى، في إطار مساعٍ لتعزيز التعاون الصناعي والتجاري بين البلدين.
كما تناول الاتفاق ترتيبات أمنية تتصل بخطط كوريا الجنوبية لتطوير غواصات تعمل بالطاقة النووية، وهي قدرة تسعى سول إلى امتلاكها لتعزيز قدراتها الدفاعية على المدى الطويل.
لكن البنك أشار إلى أن الشراكة لا تخلو من التحديات، في ظل استمرار الخلافات التجارية بين الجانبين، ومنها تحقيق تجاري أمريكي أُطلق في مارس 2026 بشأن ممارسات التصنيع في كوريا الجنوبية.
ويرى التقرير أن هذه التطورات تفرض على سول تحقيق توازن بين الاستفادة من الشراكة الأمريكية والحفاظ على مرونة علاقاتها التجارية مع بقية الأسواق العالمية.
الصناعات الدفاعية تفتح مصدرًا جديدًا للإيرادات
وبالتوازي مع تنويع الأسواق، تعمل كوريا الجنوبية على تعزيز قطاع الصناعات الدفاعية بوصفه أحد محركات التوسع في الصادرات، مستفيدة من قدراتها التصنيعية والتكنولوجية ومن فرص بناء شراكات أمنية وتجارية جديدة.
وأشار البنك إلى أن تطوير هذا القطاع يمكن أن يوسع قاعدة الإيرادات الكورية، ويمنح البلاد مجالًا إضافيًا للمشاركة في سلاسل الإمداد المرتبطة بالصناعات الحيوية، إلى جانب القطاعات التقليدية مثل السيارات والإلكترونيات وأشباه الموصلات.
بين تصدير التكنولوجيا وتشكيل سلاسل الإمداد
وخلص QNB إلى أن كوريا الجنوبية تواجه مسارين استراتيجيين مترابطين؛ أولهما مواصلة دورها كمصدر رئيسي للتقنيات المتقدمة ورقائق الذاكرة، مع الاعتماد على قدرتها الإنتاجية والوصول إلى الأسواق العالمية، وثانيهما تعزيز موقعها داخل سلاسل الإمداد الدولية والمشاركة بصورة أكبر في تشكيل مستقبل الصناعات الحيوية، خصوصًا الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا.
وبحسب التقرير، تسعى سول إلى الجمع بين المسارين من خلال توسيع قاعدة شركائها التجاريين، وتعزيز قدراتها الصناعية، والاستفادة من الشراكات الأمنية والاستثمارية، بما يدعم مرونة اقتصادها أمام التحولات العالمية.
وأكد البنك أن استمرار هذا التوجه سيظل مرتبطًا بقدرة كوريا الجنوبية على تنويع أسواقها ومنتجاتها، والحفاظ على تنافسية قطاع أشباه الموصلات، وتوسيع حضورها في الصناعات الاستراتيجية التي تقود نمو التجارة العالمية.