السوق العقاري.. أما بعد والحلقة الأصعب


Tue 06 Oct 2026 | 08:41 PM
أسماء السيد

لا شك أن القطاع العقاري يُعد أحد أهم محركات الاقتصاد المصري، لما يوفره من فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وارتباطه بنحو 110 صناعات مختلفة تخدم منظومة التشييد والبناء. وهو ما يفرض التعامل مع هذا القطاع بحذر ودقة، ووضع معايير وضوابط تضمن استمرار نموه، والحفاظ على تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، وفي الوقت نفسه حماية حقوق جميع الأطراف المرتبطة بالسوق.

وعلى مدار الأسابيع الماضية، شهدنا موجة من الانتقادات الحادة طالت القطاع العقاري وشركاته على اختلاف أحجامها، من الشركات الكبرى إلى المتوسطة والصغيرة. وبينما تحمل بعض هذه الانتقادات قدرًا من المشروعية ويستحق الدراسة، فإن بعضها الآخر بدا وكأنه يستهدف القطاع بأكمله، بما قد يضر بصورة السوق أمام العملاء العرب والأجانب والمستثمرين.

العقار.. ملاذ لحفظ المدخرات

وبقراءة المشهد العقاري من زاوية تحليلية، سنجد أن القطاع كان أحد أبرز الخيارات التي لجأ إليها المستثمرون والعملاء للحفاظ على مدخراتهم، في ظل موجات التضخم، وتذبذب أسعار الصرف، والتوترات والأحداث الجيوسياسية التي انعكست على مختلف جوانب الحياة اليومية واحتياجات المواطنين.

لكن السوق لا يمكن النظر إليه باعتباره كيانًا واحدًا، إذ تضم المنظومة شركات وضعت المصداقية والثقة في مقدمة أولوياتها منذ دخولها السوق، وهو ما منحها مكانة حقيقية لدى العملاء، ليس فقط بسبب حجم مشروعاتها أو عددها، وإنما بفضل قدرتها على الالتزام بالتعاقدات وتسليم الوحدات في المواعيد المحددة وبالمواصفات التي تم الاتفاق عليها.

وفي المقابل، هناك شركات واجهت حالات من التأخير في تنفيذ بعض مشروعاتها، وهنا يجب التفرقة بوضوح بين التأخير والتعثر.

التأخير لا يعني بالضرورة التعثر

فالتأخير قد ينتج عن مجموعة من العوامل والظروف الخارجة عن إرادة المطور، من بينها التغيرات الكبيرة في أسعار الصرف، وارتفاع تكلفة الإنشاء، وتأخر بعض مواد ومستلزمات البناء، إلى جانب عوامل أخرى مرتبطة بدورة تنفيذ المشروعات.

وفي مثل هذه الحالات، قد يكون من المنطقي منح الشركات الجادة فرصة إضافية لاستكمال مشروعاتها والوفاء بالتزاماتها، إلى جانب توفير تيسيرات تمويلية ومصرفية، بضمان الأصول التي تمتلكها تلك الشركات وغيرها من الضمانات المناسبة، بدلًا من الدفع بها سريعًا إلى دائرة التعثر.

أما الحالة المختلفة تمامًا، فهي الشركات التي دخلت السوق وأعلنت عن مشروعات متعددة في مناطق مختلفة، ثم توقفت الأعمال بها دون تحقيق تقدم حقيقي، لتصبح المشروعات في النهاية مجرد إعلانات دون تنفيذ فعلي.

وبلا شك، فإن هذه النوعية من الشركات يصعب استمرارها في السوق، لكن السؤال الأهم هنا هو: كيف تتم إعادة حقوق العملاء والوفاء بالتزاماتهم؟

وهنا تتحمل جهات الولاية مسؤولية أساسية، باعتبارها الجهة التي خصصت الأرض وراجعت الملاءة المالية والفنية للشركة قبل منحها حق التطوير.

الحلقة الأصعب.. مطور عليه التزامات للبنوك ولجهات الولاية

ومن أصعب الحالات الموجودة حاليًا في السوق العقارية المصرية تلك الشركات التي ما زالت مطالبة بسداد أقساط مستحقة عن الأراضي لصالح جهات الولاية، وفي الوقت نفسه حصلت على تمويلات مصرفية لتنفيذ مشروعات قامت بتسويق نسبة كبيرة منها للعملاء.

وتزداد صعوبة المشهد عندما تبدأ جهات الولاية في اتخاذ إجراءات لتحصيل مستحقاتها، سواء من خلال استقطاع الأرض أو إلغاء التخصيص، بالتزامن مع تحرك البنوك للحفاظ على حقوقها واتخاذ إجراءات تجاه الضمانات المرتبطة بالتمويل.

وفي هذه الحلقة المعقدة، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: أين يقف العميل؟

ففي النهاية، قد يجد العميل نفسه قد دفع مقدمات وأقساطًا على وحدة لم تكتمل، في الوقت الذي تتصارع فيه أطراف متعددة على حقوقها، ليصبح الطرف الأضعف في المعادلة.

من يتحمل تكلفة الظروف الاستثنائية؟

في رأيي، فإن المشهد الحالي يحتاج إلى قراءة أكثر عمقًا من مجرد توجيه الاتهامات إلى القطاع العقاري بأكمله، لأن هناك حالات تعثر حقيقية تستوجب التدخل والحلول، وحالات أخرى مرتبطة بظروف استثنائية أثرت على جميع أطراف السوق.

ومن هنا، تطرح نفسها مجموعة من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات واضحة وشفافة:

من يتحمل تكلفة توقف تطوير عدد من المشروعات في منطقة الساحل الشمالي لما يقرب من عامين، نتيجة نقل ولاية بعض الأراضي إلى هيئة المجتمعات العمرانية؟

ومن يتحمل آثار إغلاق الموانئ في عدد من الدول بسبب الصراعات والتوترات الجيوسياسية، وما ترتب على ذلك من اضطراب سلاسل الإمداد؟

ومن يتحمل الفارق بين تكلفة تنفيذ الوحدات والأسعار التي تم البيع بها للعملاء؟

ومن يتحمل الأعباء الإضافية التي طرأت على الأراضي نتيجة قرارات حكومية، ومن بينها رسوم التحسين والتنازل؟

ومن يتحمل الزيادات التي طرأت على مدد التنفيذ لدى المقاولين، وما ترتب عليها من تعويضات وتكاليف إضافية؟

ومن يتحمل التغييرات التي قد تطرأ على مساحات أو تصميمات بعض الوحدات المتبقية التي لا تزال مرتبطة بتعاقدات قائمة مع العملاء؟

المطلوب.. حلول تحمي السوق والعميل

الإجابة عن هذه الأسئلة لا تعني إعفاء الشركات من مسؤولياتها أو تجاهل حقوق العملاء، لكنها تعني ضرورة وضع إطار متوازن يفرق بين المطور الجاد الذي يواجه ضغوطًا استثنائية، والمطور الذي لم يمتلك من البداية القدرة الفنية أو المالية على تنفيذ التزاماته.

السوق العقاري يحتاج إلى تنظيم أكثر دقة، ورقابة أكثر كفاءة، وحلول تمويلية مرنة، وقواعد واضحة للتعامل مع حالات التأخير والتعثر، بما يحافظ على حقوق العملاء وفي الوقت نفسه يمنح الشركات الجادة فرصة لاستكمال مشروعاتها.

والأهم أن حماية السوق العقاري لا تكون بتشويه صورته أو التعامل معه باعتباره مصدرًا للمشكلات، وإنما بإصلاح مكامن الخلل، ومحاسبة المخالف، ودعم المطور الجاد، ووضع العميل في قلب أي منظومة تنظيمية جديدة.

فالقطاع العقاري ليس مجرد وحدات تُباع وتُشترى، وإنما صناعة ضخمة تمتد آثارها إلى عشرات الصناعات وآلاف فرص العمل ومليارات الاستثمارات، ومن ثم فإن الحفاظ على استقراره ونموه مسؤولية مشتركة بين الدولة والمطورين والبنوك والعملاء.