العقود الحكومية في خدمة الصناعة.. مصر تعيد تعريف الأفضلية للمنتج المحلي


Mon 05 Oct 2026 | 10:33 AM
أسماء السيد

تتجه مصر إلى إعادة صياغة منظومة تفضيل المنتج الصناعي المحلي في التعاقدات الحكومية، في محاولة للانتقال من مجرد تطبيق أفضلية نص عليها القانون إلى بناء آلية أكثر دقة لقياس القيمة المضافة للصناعة المصرية وربطها بقرارات الشراء الحكومي.

وتأتي هذه التحركات بعد نحو عقد من تطبيق قانون تفضيل المنتجات الصناعية المصرية في العقود الحكومية رقم 5 لسنة 2015، وتعديله بالقانون رقم 90 لسنة 2018، حيث أظهرت الممارسة العملية تحديات تتعلق بآليات التنفيذ والرقابة والتنسيق بين الجهات المعنية.

وتسعى وزارة الصناعة، بالتوازي مع تحرك مجلس النواب وإعادة تشكيل اللجنة المختصة، إلى تطوير المنظومة من خلال ربط بيانات المنشآت والمنتجات وشهادات المكون المحلي بمنظومة المشتريات الحكومية، إلى جانب دراسة آليات جديدة لقياس القيمة المضافة الصناعية ومنح الأفضلية وفق معايير أكثر ارتباطًا بالأثر الاقتصادي للمنتج.

البرلمان يراجع حصيلة 10 سنوات من تطبيق القانون

بدأت التحركات البرلمانية في يونيو الماضي، عندما عقدت لجنة الصناعة بمجلس النواب اجتماعًا موسعًا لمراجعة الأثر التشريعي للقانون ومدى نجاحه في تحقيق أهدافه المتعلقة بحماية الصناعة الوطنية، وتعميق المكون المحلي، ودعم المنتجات المصرية في المشتريات الحكومية.

وشهد الاجتماع مشاركة ممثلين عن الوزارات والجهات الحكومية والهيئات الصناعية واتحاد الصناعات، حيث تناولت المناقشات عددًا من التحديات المرتبطة بتطبيق القانون، من بينها عدم تفعيل اللجنة العليا المعنية بمتابعة المنظومة بالشكل المستهدف، ومحدودية اجتماعاتها خلال السنوات الماضية، فضلًا عن تحديات التنفيذ والتنسيق والمتابعة بين الجهات المختلفة.

كما تناولت المناقشات صعوبة تحديد المسؤولية عن عدم الالتزام بأحكام القانون وآليات محاسبة المخالفين، إلى جانب القيود المرتبطة بتحريك التحقيقات أو الدعاوى الجنائية بشأن بعض المخالفات.

وانتهت لجنة الصناعة إلى مجموعة من التوصيات، تضمنت التأكيد على انتظام اجتماعات اللجنة العليا برئاسة وزير الصناعة، ورفع تقارير دورية إلى مجلس النواب، إلى جانب دراسة المعوقات القانونية التي تواجه تطبيق العقوبات على المخالفين.

كما طالبت اللجنة الجهاز المركزي للمحاسبات بتقديم تقرير بشأن المخالفات التي تم رصدها في تطبيق القانون، مع إلزام الجهات المعنية بتقديم مقترحاتها بشأن التعديلات التشريعية اللازمة لزيادة فاعلية المنظومة وتحقيق أهدافها.

الحكومة تعيد تشكيل لجنة تفضيل المنتج المصري

على الجانب التنفيذي، أصدر رئيس مجلس الوزراء في يوليو 2026 القرار رقم 2286 لسنة 2026 بإعادة تشكيل لجنة تفضيل المنتج الصناعي المصري، برئاسة وزير الصناعة وعضوية عدد من ممثلي الجهات الحكومية المعنية.

وضم التشكيل رئيس الهيئة العامة للتنمية الصناعية، وأحد نواب رئيس مجلس الدولة، ورئيس الهيئة العامة للخدمات الحكومية، إلى جانب ممثلين عن وزارة الصناعة وبنك الاستثمار القومي ووزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية.

وفي أغسطس، عقد المهندس خالد هاشم، وزير الصناعة، الاجتماع الأول للجنة بتشكيلها الجديد، مع توجه نحو عدم الاكتفاء بإعادة تفعيل القانون، وإنما العمل على تطوير المنظومة بصورة شاملة لتصبح أكثر وضوحًا وقابلية للقياس والرقابة.

ويرتبط التطوير المستهدف بتعميق التصنيع المحلي ورفع القيمة المضافة وقياس حجم الإسهام الاقتصادي للمنشآت الصناعية المصرية، بما يعيد تعريف مفهوم الأفضلية في التعاقدات الحكومية.

قاعدة بيانات موحدة تربط الصناعة بالمشتريات الحكومية

وتضع وزارة الصناعة بناء منظومة معلومات متكاملة في قلب عملية التطوير، من خلال إنشاء قاعدة بيانات موحدة ومحدثة للمنتجات والمنشآت الصناعية وشهادات المكون المحلي.

وتستهدف الوزارة ربط هذه القاعدة إلكترونيًا بمنظومة المشتريات والتعاقدات الحكومية، بما يسمح للجهات الإدارية بالتحقق بصورة أسرع من استيفاء المنتجات والمنشآت لمتطلبات الحصول على الأفضلية.

ويمثل الربط الإلكتروني تحولًا مهمًا في آلية تطبيق القانون، إذ يمكن أن يقلل الاعتماد على الإجراءات الورقية والمنفصلة لإثبات المكون المحلي، ويوفر في المقابل قاعدة بيانات مركزية تحدد المنتجات والمنشآت المؤهلة للاستفادة من الأفضلية.

كما يمكن للمنظومة الجديدة توفير بيانات أكثر دقة حول حجم المشتريات الحكومية من المنتجات الصناعية المصرية، ومدى الالتزام بأحكام القانون، وحجم الاستفادة الفعلية من الأفضلية المقررة للمنتج المحلي.

«شهادة قيمة».. معيار جديد لقياس المساهمة الصناعية

ولا تركز الرؤية الجديدة على نسبة المكون المحلي وحدها، إذ تدرس وزارة الصناعة استحداث منظومة تحت مسمى «شهادة قيمة» لتقييم المنشآت الصناعية وربط المزايا والحوافز بدرجات التقييم.

وتقوم الفكرة المقترحة على نظام تقييم متدرج يأخذ في الاعتبار مجموعة من العناصر، من بينها زيادة المكون المحلي، وتعميق التصنيع، وتطوير الموردين المحليين، والاستثمار في التكنولوجيا والبحث والتطوير.

ويعني ذلك أن الأفضلية يمكن أن تنتقل من مفهوم يعتمد بصورة أساسية على إثبات حد أدنى من المكون المحلي إلى نموذج يقيس بصورة أوسع حجم القيمة المضافة التي تحققها المنشأة للاقتصاد والصناعة المحلية.

وفي حال تحولت هذه المقترحات إلى قواعد تنفيذية، فإنها قد تعيد تشكيل العلاقة بين المشتريات الحكومية والسياسة الصناعية، بحيث يصبح العقد الحكومي أداة لتحفيز الشركات على تطوير الإنتاج والموردين والتكنولوجيا، وليس مجرد قناة لتصريف المنتجات المحلية.

«السعر التقييمي المعدل».. هل يتغير معيار المنافسة؟

ومن بين الآليات التي تدرسها وزارة الصناعة أيضًا تطبيق مفهوم «السعر التقييمي المعدل» عند تقييم العطاءات الحكومية، من خلال استخدام معامل يرتبط بدرجة «شهادة قيمة».

وتقوم الفكرة على إدخال القيمة المضافة الصناعية والاقتصادية للمنتج المحلي ضمن عملية تقييم العروض، بحيث لا تقتصر المقارنة بين المنتجات المحلية والمستوردة على السعر الاسمي للعطاء.

وبهذا التصور، يمكن أن تصبح المشتريات الحكومية أكثر ارتباطًا بالأثر الاقتصادي للعقد، من خلال النظر إلى عناصر مثل المكون المحلي، وتطوير الموردين، والتكنولوجيا والقيمة المضافة، إلى جانب السعر.

ماذا يعني التطوير الجديد للمصانع؟

بالنسبة للصناعة المصرية، فإن أهمية المنظومة الجديدة لا تتوقف عند منح المنتج المحلي أفضلية في العقود الحكومية، وإنما تمتد إلى إمكانية خلق طلب أكثر استقرارًا على المنتجات المصنعة محليًا.

فكلما ارتبطت الأفضلية بمؤشرات واضحة للقيمة المضافة والتصنيع المحلي، زادت الحوافز أمام الشركات لرفع نسب المكون المحلي، وتطوير الموردين، والاستثمار في خطوط الإنتاج والتكنولوجيا.

كما يمكن للمشتريات الحكومية أن تلعب دورًا في توسيع سلاسل الموردين المحليين، خصوصًا إذا جرى توجيه جانب أكبر من الطلب نحو المنتجات التي تمتلك مصر قاعدة إنتاجية وقدرات تصنيع محلية فيها.

وهنا يتحول الإنفاق الحكومي من مجرد بند للشراء إلى إحدى أدوات السياسة الصناعية، من خلال استخدام حجم الطلب الحكومي لتحفيز الاستثمار وزيادة الإنتاج المحلي.

مؤشرات جديدة لقياس نجاح المنظومة

وتتجه وزارة الصناعة إلى توسيع نطاق مؤشرات تقييم المنظومة، بحيث لا يقتصر القياس على عدد الشهادات الصادرة للمنتجات والمنشآت.

ومن المنتظر أن تشمل مؤشرات التقييم حجم المشتريات الحكومية من المنتجات الصناعية المصرية، ومدى التزام الجهات الحكومية بتطبيق القانون، وحجم الاستفادة الفعلية من الأفضلية، إلى جانب تطور نسب المكون المحلي والقيمة المضافة.

ويمثل هذا التحول محاولة لنقل تقييم المنظومة من قياس الإجراءات إلى قياس النتائج الاقتصادية الفعلية.

من نص قانوني إلى طلب فعلي على المنتج المصري

وتتركز المرحلة المقبلة في مدى قدرة المنظومة الجديدة على تحويل الأفضلية القانونية للمنتج المصري إلى طلب فعلي ومستدام داخل السوق الحكومية.

فنجاح التجربة لن يرتبط فقط بوجود قاعدة قانونية تمنح المنتج المحلي ميزة في التعاقدات، وإنما بوجود منظومة متكاملة تستطيع تحديد المنتجات المؤهلة، والتحقق من نسب المكون المحلي، وقياس القيمة المضافة، وربط هذه البيانات بقرارات الشراء، مع وجود آليات واضحة للمتابعة والمحاسبة.

وفي حال استكمال الربط الإلكتروني بين قاعدة بيانات الصناعة ومنظومة المشتريات الحكومية، يمكن أن تتحول العقود الحكومية إلى أداة مباشرة لدعم الاستثمار الصناعي، وزيادة الطلب على المنتجات المصرية، وتوسيع قاعدة الموردين المحليين، وتعميق التصنيع ورفع القيمة المضافة داخل الاقتصاد.

وبذلك، فإن إعادة تعريف الأفضلية للمنتج المحلي لا تتعلق فقط بمنح المنتج المصري فرصة أكبر في المناقصات الحكومية، وإنما بإعادة توظيف القوة الشرائية للحكومة كأداة لدعم الصناعة وزيادة الإنتاج المحلي.