دخلت صناعة السلع الفاخرة مرحلة جديدة من اختبار قوة الطلب، بعدما فقد السوق نحو 60 مليون مستهلك منذ عام 2022، بالتزامن مع ارتفاع أسعار المنتجات الفاخرة بنحو 20% خلال عامين، في تطور يفرض على كبرى العلامات العالمية إعادة النظر في استراتيجياتها للحفاظ على العملاء والنمو، وفقًا لتحليل صادر عن شركة الاستشارات «باين آند كومباني».
ولا يبدو التحدي مرتبطًا فقط بتراجع القوة الشرائية لدى أصحاب الدخول المتوسطة، إذ بات حتى المستهلكون الأكثر ثراءً أكثر تدقيقًا في القيمة التي يحصلون عليها مقابل الأسعار المرتفعة، ما يضع نموذج التسعير الذي اتبعته صناعة الرفاهية خلال السنوات الماضية أمام اختبار حقيقي.
60 مليون مستهلك خارج سوق الرفاهية
تكشف بيانات «باين آند كومباني» عن تغير جوهري في قاعدة عملاء السلع الفاخرة، مع خروج نحو 60 مليون مستهلك من السوق منذ 2022.
وجاء ذلك بالتزامن مع ارتفاع أسعار المنتجات الفاخرة بنحو 20% خلال عامين، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين تكلفة المنتجات وقدرة شريحة من المستهلكين على مواصلة الإنفاق بالمعدلات السابقة.
وتعكس هذه التطورات تحولًا في سلوك المستهلك؛ فبعد سنوات استفادت خلالها العلامات الفاخرة من رفع الأسعار وتوسيع سوقها، أصبح المستهلك أكثر اهتمامًا بالسؤال الأساسي: هل المنتج يستحق السعر المدفوع؟
ارتفاع الأسعار يضع العلامات الكبرى أمام اختبار القيمة
تواجه شركات السلع الفاخرة ضغوطًا متزايدة لاستعادة النمو، في ظل تأثير التضخم وارتفاع أسعار المنتجات على قاعدة العملاء.
ولم يعد اسم العلامة التجارية وحده كافيًا لتبرير الزيادات السعرية، إذ تتجه المنافسة بصورة متزايدة نحو تقديم قيمة ملموسة للعميل، سواء من خلال جودة الخامات، أو الحرفية، أو التصميم، أو العمر الافتراضي للمنتج.
ويضع ذلك شركات الرفاهية أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على الأسعار المرتفعة وهوامش الربحية، دون دفع المزيد من المستهلكين إلى مغادرة السوق.
أداء متباين بين العلامات العالمية
ولا تتحرك جميع العلامات الفاخرة في الاتجاه نفسه، إذ تظهر فروق واضحة في الأداء بين الشركات والعلامات الكبرى.
وعادت سان لوران، التابعة لمجموعة «كيرينج»، إلى تسجيل نمو، مدفوعة بالطلب في الولايات المتحدة وأوروبا، لتصبح إحدى العلامات التي تراهن عليها المجموعة لدعم نتائجها.
في المقابل، لا تزال جوتشي تواجه تحديات في وقف تراجع مبيعاتها، بما يعكس تفاوت قدرة العلامات على التعامل مع تغيرات أذواق المستهلكين ومستويات الطلب.
وفي فرنسا، شهدت خريطة الشركات الكبرى تحولًا لافتًا، بعدما تجاوزت شركة لوريال مجموعة إل في إم إتش لتصبح الشركة الفرنسية الأعلى قيمة في البورصة، في تطور لم يتكرر منذ عام 2017.
الحرفية بدلًا من خفض الأسعار
ورغم الضغوط التي تواجهها السوق، لا تبدو استراتيجية خفض الأسعار خيارًا رئيسيًا أمام شركات الرفاهية، التي تسعى بدلًا من ذلك إلى تعزيز مبررات الأسعار المرتفعة.
وتتجه العلامات الكبرى بصورة أكبر إلى إبراز الحرفية وجودة التصنيع والتفاصيل الدقيقة والخامات المستخدمة، في محاولة لمنح المنتجات قيمة ملموسة تتجاوز مجرد اسم العلامة التجارية.
وظهر هذا التوجه بوضوح خلال فعاليات أسبوع الموضة في باريس، حيث ركزت علامات كبرى على نقل تقنيات الأزياء الراقية إلى الملابس اليومية، من خلال الخياطة الدقيقة والخامات الفاخرة والتصميمات التي يمكن الاحتفاظ بها واستخدامها لفترات أطول.
معركة جديدة على إنفاق المستهلك
تكشف التحولات الأخيرة أن صناعة السلع الفاخرة تدخل مرحلة مختلفة من المنافسة، لم تعد فيها القدرة على رفع الأسعار أو قوة اسم العلامة التجارية كافية وحدها لضمان استمرار النمو.
فمع ارتفاع الأسعار وتراجع أعداد المشترين، أصبح على العلامات الفاخرة أن تقدم قيمة أكثر وضوحًا مقابل السعر، وأن تثبت للمستهلك أن المنتج يستحق التكلفة المرتفعة.
وتواجه الصناعة بذلك تحديًا مزدوجًا: الحفاظ على الصورة الحصرية للمنتجات الفاخرة وهوامش الربحية، وفي الوقت نفسه استعادة العملاء الذين ابتعدوا عن السوق خلال السنوات الأخيرة.
وفي ظل استمرار تغير سلوك المستهلك، قد تصبح القدرة على تحقيق التوازن بين الحصرية والسعر والقيمة العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد مسار سوق الرفاهية خلال المرحلة المقبلة.