مع تحول التجارة العالمية تدريجيًا من ساحة للمنافسة الاقتصادية إلى أداة ترتبط بالأمن القومي والنفوذ الجيوسياسي، تتجه البرازيل إلى توسيع حضورها عبر ما بات يُعرف بـ«دبلوماسية الزراعة»، مستندة إلى ثقلها كإحدى القوى الرئيسية في إنتاج وتصدير الغذاء عالميًا.
ويأتي هذا التحرك في وقت تتزايد فيه الحواجز التجارية والاشتراطات البيئية، فيما أصبحت قدرة الدول على تأمين احتياجاتها الغذائية جزءًا متزايد الأهمية من حساباتها الاستراتيجية.
تشهد خريطة التجارة الدولية تحولات متسارعة، مع تراجع فاعلية بعض أطر التفاوض متعددة الأطراف، وتزايد الاعتماد على الرسوم الجمركية والقيود غير الجمركية والاعتبارات الجيوسياسية في تحديد اتجاهات التجارة العالمية.
وفي هذا السياق، تسعى البرازيل إلى تعزيز أدواتها الدبلوماسية والتجارية لحماية مصالحها الزراعية والحفاظ على موقعها في أسواق الغذاء العالمية، بحسب ما خلصت إليه مناقشات جلسة تناولت دور القطاع الزراعي في إعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية الدولية، ضمن فعاليات مهرجان الأعمال الزراعية العالمي في مدينة ساو باولو.
الأمن الغذائي يتحول إلى قضية أمن قومي
قال بابلو إيبانيز، المشارك في الجامعة الفيدرالية الريفية في ريو دي جانيرو، إن النظام التجاري العالمي يمر بمرحلة من إعادة التشكيل، في ظل تراجع قوة أطر التفاوض متعددة الأطراف واتجاه عدد من الدول إلى تبني سياسات أكثر حماية لاقتصاداتها.
وأوضح أن هذه التحولات تظهر من خلال زيادة الحواجز الجمركية وغير الجمركية، إلى جانب توظيف التجارة ضمن الاستراتيجيات الجيوسياسية للدول.
وأشار إيبانيز إلى تنامي المنافسة الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة، موضحًا أن الصين رفعت إنفاقها على العلوم والتكنولوجيا والابتكار إلى مستويات تقارب الإنفاق الأمريكي في هذه المجالات.
وفي قطاع الغذاء تحديدًا، أصبحت قضية الأمن الغذائي بالنسبة إلى الصين جزءًا من حسابات الأمن القومي، وهو توجه قال إنه بدأ يظهر أيضًا لدى دول أخرى.
ووصف إيبانيز هذه العملية بأنها «تأمين» متزايد للاقتصاد العالمي، أي إدخال اعتبارات الأمن القومي بصورة أكبر في القرارات الاقتصادية والتجارية.
وبالنسبة إلى البرازيل، يرى إيبانيز أن طبيعة التحولات الحالية تفرض عليها التكيف مع إعادة ترتيب النظام الاقتصادي والجيوسياسي العالمي، مع إعطاء الأولوية للمصلحة الوطنية بعيدًا عن الخلافات الأيديولوجية.
الرسوم الأمريكية والقواعد الأوروبية أمام الصادرات البرازيلية
وتواجه الصادرات البرازيلية في الوقت نفسه مجموعة من الضغوط التجارية والتنظيمية، من بينها الرسوم الأمريكية المرتفعة، إلى جانب المتطلبات البيئية الجديدة التي يفرضها الاتحاد الأوروبي، وعلى رأسها لائحة الاتحاد الأوروبي لمكافحة إزالة الغابات.
وقالت لورا أنتونياتزي، الباحثة والشريكة في شركة «أجروكوني»، إن بإمكان البرازيل التفاوض بشأن بعض تفاصيل المتطلبات التي تفرضها الأسواق الخارجية، لكنها في الوقت نفسه بحاجة إلى التعامل معها بصورة واقعية والالتزام بالقواعد المعمول بها.
وأشارت إلى أن أهمية السوق الأوروبية بالنسبة للصادرات البرازيلية تجعل التعامل مع المتطلبات الأوروبية جزءًا أساسيًا من استراتيجية الحفاظ على النفاذ إلى السوق.
40 ملحقًا زراعيًا في الخارج لدعم الصادرات
وفي مواجهة هذه البيئة التجارية المتغيرة، تبرز «دبلوماسية الزراعة» كإحدى الأدوات التي تراهن عليها البرازيل لتعزيز مصالحها التجارية.
ودافعت أنتونياتزي عن توسيع هذا النهج، معتبرة أن الدبلوماسية الزراعية تقوم على التفاوض والإقناع والتنسيق بين الحكومة والقطاع الخاص، وليس فقط على الترويج المباشر للصادرات.
وأشادت بامتلاك البرازيل حاليًا 40 ملحقًا زراعيًا في سفاراتها حول العالم، مشيرة إلى أن دور هؤلاء الملحقين ينبغي ألا يقتصر على تسهيل الصفقات التجارية، وإنما يمتد إلى التعريف بقدرات سلاسل الإنتاج البرازيلية وشرح مزاياها أمام الأسواق الخارجية.
ويعكس هذا التوجه محاولة لربط الأدوات الدبلوماسية بالمصالح التجارية والزراعية بصورة أكثر مباشرة، خصوصًا في ظل ازدياد أهمية الأمن الغذائي في العلاقات الدولية.
البرازيل تراهن على قوة قطاع البروتين الحيواني
من جانبه، قال ريكاردو سانتين، رئيس الجمعية البرازيلية للبروتين الحيواني، إن امتلاك البرازيل قدرة كبيرة على توفير الغذاء يمثل أحد عناصر قوتها في ظل حالة عدم اليقين التي تحيط بالأمن الغذائي العالمي.
وأشار إلى أن نحو 3 مليارات شخص حول العالم لا يستهلكون سنويًا متوسط كمية البروتين الموصى بها دوليًا، معتبرًا أن هذه الفجوة تبرز حجم الطلب المحتمل على الغذاء والبروتين الحيواني.
وأضاف أن قدرة البرازيل على إنتاج أغذية صحية وآمنة ومستدامة تمنح قطاعها الزراعي أهمية متزايدة في التجارة الدولية، خصوصًا مع تحول الغذاء تدريجيًا إلى عنصر يرتبط بالسياسات الاقتصادية والجيوسياسية للدول.
الزراعة تتحول إلى أداة نفوذ اقتصادي
وتكشف التحولات الحالية أن المنافسة على الأسواق الزراعية لم تعد مرتبطة فقط بالأسعار وحجم الإنتاج، بل أصبحت تشمل القدرة على التعامل مع القواعد البيئية والصحية، وبناء العلاقات التجارية، والتفاوض حول شروط النفاذ إلى الأسواق.
وفي هذا السياق، تسعى البرازيل إلى توظيف ثقلها الزراعي والتصديري عبر شبكة من الأدوات الدبلوماسية والتجارية، في محاولة للحفاظ على حضورها في الأسواق العالمية وتعزيز قدرتها على التعامل مع نظام تجاري أكثر ارتباطًا بالاعتبارات الجيوسياسية.
ومع تزايد أهمية الأمن الغذائي في حسابات الدول، تتحول «دبلوماسية الزراعة» بالنسبة للبرازيل إلى قناة تجمع بين التجارة والسياسة الخارجية والأمن الغذائي، بما يعكس اتساع الدور الذي بات يلعبه الغذاء في الاقتصاد العالمي.