تواجه صناعة الدواجن في مصر معادلة اقتصادية دقيقة، تتراوح بين ارتفاع تكاليف الإنتاج وتذبذب المعروض والقوة الشرائية، في وقت تتجاوز فيه استثمارات القطاع 200 مليار جنيه ويعتمد عليه نحو 3.5 مليون عامل. وبينما تحقق مصر اكتفاءً ذاتيًا من الدواجن والبيض، يظل اعتماد الصناعة على الأعلاف المستوردة أحد أبرز التحديات أمام استقرار التكلفة والأسعار.
وأكد الدكتور عبد العزيز السيد، رئيس شعبة الدواجن باتحاد الغرف التجارية، أن صناعة الدواجن تمثل أحد القطاعات المرتبطة مباشرة بالأمن الغذائي، نظرًا لدورها في توفير جانب كبير من احتياجات المصريين من البروتين الحيواني، مشددًا على أهمية وضع آليات تضمن استقرار الصناعة وتحقيق توازن بين المنتج والمستهلك.
200 مليار جنيه استثمارات و3.5 مليون عامل
وأوضح رئيس شعبة الدواجن أن القطاع يوفر نحو 75% من احتياجات المصريين من البروتين الحيواني، إلى جانب توفير فرص عمل لنحو 3.5 مليون عامل يعولون قرابة 17.5 مليون مواطن.
وتتجاوز الاستثمارات العاملة في صناعة الدواجن نحو 200 مليار جنيه، فيما يبلغ متوسط نصيب الفرد من الدواجن نحو 21.5 إلى 22 كيلوجرامًا سنويًا، بخلاف استهلاك البيض، ليصل نصيب الفرد من البروتين الحيواني المرتبط بالدواجن إلى نحو 31 كيلوجرامًا.
وأشار إلى أن هذه المؤشرات تعكس الوزن الاقتصادي والغذائي للصناعة، وتفرض ضرورة الحفاظ على استقرارها واستمرار قدرتها على الإنتاج.
زيادة المعروض تضغط على الأسعار
وأرجع عبد العزيز السيد التراجع الذي شهدته أسعار الدواجن والبيض خلال الفترة الماضية إلى ارتفاع مستويات الإنتاج والمعروض، موضحًا أن إنتاج مصر تجاوز نحو 1.6 مليار دجاجة، إلى جانب إنتاج يقارب 17.5 مليار بيضة.
وأضاف أن عدم تسجيل إصابات وبائية مؤثرة خلال فصل الصيف ساهم في الحفاظ على مستويات الإنتاج، ما أدى إلى زيادة المعروض في السوق.
في المقابل، تزامن ارتفاع المعروض مع ضغوط على القوة الشرائية للمستهلكين، خاصة مع تعدد الالتزامات والمصروفات المرتبطة بمواسم رمضان والأعياد، ثم الاستعداد للعام الدراسي الجديد، فضلًا عن ارتفاع تكاليف بعض الخدمات.
انخفاض الأسعار يضغط على المنتجين
وأكد رئيس شعبة الدواجن أن التراجع الكبير في الأسعار لم يكن في صالح المنتجين، مشيرًا إلى أنه أدى إلى خروج عدد من صغار المنتجين من السوق.
وأوضح أن استمرار الأسعار عند مستويات منخفضة لفترات طويلة قد يسبب خسائر حتى لبعض كبار المنتجين، رغم امتلاكهم حلقات متعددة ضمن دورة الإنتاج.
وأشار إلى أن انخفاض الأسعار قد يصب في مصلحة المستهلك على المدى القصير، لكنه قد يؤدي في المقابل إلى تراجع الإنتاج والمعروض مستقبلًا إذا وصلت الأسعار إلى مستويات تقل عن تكلفة الإنتاج، بما قد يعيد الضغط على الأسعار في الاتجاه الصعودي.
115 جنيهًا سعرًا عادلًا لكرتونة البيض
وفي سوق البيض، اعتبر عبد العزيز السيد أن وصول سعر الكرتونة إلى نحو 115 جنيهًا يمثل سعرًا عادلًا في ضوء تكاليف الإنتاج الحالية.
وأوضح أن ارتفاع الأسعار يرتبط بخروج عدد من المنتجين من السوق، إلى جانب زيادة بعض تكاليف مدخلات الإنتاج وعودة الطلب إلى الارتفاع مع بدء الدراسة، في ظل اعتماد الأسر على البيض كمصدر أساسي للبروتين، خاصة للأطفال.
اكتفاء ذاتي.. لكن فرص التصدير لم تستغل بالكامل
وأكد رئيس شعبة الدواجن أن مصر حققت اكتفاءً ذاتيًا بنسبة 100% من إنتاج الدواجن والبيض، مشيرًا إلى إتاحة إجراءات التصدير، في الوقت الذي لا تزال فيه الصادرات أقل من الإمكانات الإنتاجية المتاحة.
وأوضح أن هناك طلبًا من الأسواق المجاورة على المنتجات المصرية، معتبرًا أن التوسع المنظم في التصدير يمكن أن يساهم في تحقيق توازن أفضل بين الإنتاج والاستهلاك داخل السوق المحلية، فضلًا عن توفير موارد إضافية للقطاع.
الذرة والصويا.. الحلقة الأكثر حساسية في التكلفة
ورغم ارتفاع معدلات الإنتاج المحلي، لا تزال صناعة الدواجن تعتمد بدرجة كبيرة على مدخلات إنتاج مستوردة، وفي مقدمتها مكونات الأعلاف.
وأوضح عبد العزيز السيد أن نحو 80% من الذرة المستخدمة في صناعة الأعلاف يتم استيرادها، فيما تتراوح نسبة الاعتماد على الاستيراد بالنسبة إلى الصويا بين 90% و95%.
ويجعل هذا الهيكل الإنتاجي تكلفة الدواجن المحلية شديدة الارتباط بالأسعار العالمية للسلع، إلى جانب أسعار العملة وتكاليف الاستيراد، ما يمثل أحد أبرز مصادر الضغط على هوامش المنتجين والأسعار النهائية للمستهلك.
مستهدف لزيادة المكون المحلي إلى 75% بحلول 2030
وشدد رئيس شعبة الدواجن على أهمية التوسع في إنتاج مستلزمات الصناعة محليًا، مشيرًا إلى أن مستهدفات الدولة بحلول عام 2030 تتضمن زيادة نسبة توفير مستلزمات الإنتاج محليًا إلى نحو 75% في قطاعات الإنتاج الحيواني والدواجن.
وأوضح أن رفع نسبة المكون المحلي يمكن أن يقلل من تعرض الصناعة لتقلبات الأسعار العالمية وتكاليف الاستيراد، كما يمنح المنتجين قدرة أكبر على التخطيط للدورات الإنتاجية.
70 جنيهًا سعر الدواجن في المزرعة
وقال عبد العزيز السيد إن سعر الدواجن في المزرعة يدور حاليًا حول 69 إلى 70 جنيهًا، معتبرًا أن هذا المستوى يمثل سعرًا عادلًا في ضوء تكاليف الإنتاج.
وأشار إلى أن الدواجن تظل من أقل مصادر البروتين الحيواني تكلفة بالنسبة للمستهلك، رغم ارتفاع أسعارها مقارنة بفترات سابقة.
ولفت إلى أن سعر الكتكوت يمثل أحد العناصر المؤثرة في تكلفة الإنتاج، موضحًا أن أسعار الكتاكيت تراوحت حاليًا بين 25 و30 جنيهًا وفقًا لظروف السوق.
دعوة لإعادة تفعيل بورصة الدواجن
ودعا رئيس شعبة الدواجن إلى وضع آلية واضحة لتحديد السعر العادل، مؤكدًا أن المطلوب ليس فرض تسعير جامد، وإنما إنشاء منظومة تستند إلى تكلفة الإنتاج الفعلية وتوازنات السوق.
وأشار إلى إمكانية إعادة تفعيل بورصة الدواجن بصورة منظمة، بحيث تضم مجلس إدارة وفريقًا من المتخصصين يتولى حساب تكاليف الإنتاج وتحديد أسعار عادلة للكتكوت والدواجن.
وأوضح أن تحديد السعر يجب أن يستند إلى مجموعة من العناصر، من بينها أسعار الأعلاف والأدوية البيطرية، ومعدلات النفوق، وتكاليف التشغيل، وهوامش الربح.
كما طالب بربط البورصة الرئيسية بالبورصات الفرعية في المحافظات، بما يساهم في توحيد آليات التسعير ورفع مستوى الشفافية في السوق.
82 جنيهًا سعر الوصول للمستهلك
وأوضح عبد العزيز السيد أن وصول سعر الدواجن من المزرعة إلى نحو 70 جنيهًا يؤدي إلى وصولها للمستهلك بسعر يقارب 82 جنيهًا، وفقًا لتكاليف التداول والحلقات الوسيطة.
وأشار إلى أن هذا المستوى يمكن أن يمثل نقطة توازن بين المنتج والمستهلك، إلا أن استمرار ارتفاع تكاليف الأعلاف ومدخلات الإنتاج قد ينعكس على السعر النهائي.
زيادة أسعار الأعلاف تضيف ضغوطًا جديدة
وانتقد رئيس شعبة الدواجن الزيادات التي طرأت على أسعار الأعلاف، مشيرًا إلى أن بعض مصانع الأعلاف رفعت أسعارها بنحو 1750 جنيهًا.
وتساءل عن أسباب هذه الزيادات في ظل وجود مخزونات واحتياطيات من مدخلات الإنتاج، مؤكدًا أهمية تعزيز الرقابة على حركة الأسعار وتكاليف الإنتاج.
استقرار الصناعة يتطلب توازنًا بين المنتج والمستهلك
وتختبر صناعة الدواجن المصرية في الوقت الحالي قدرتها على تحقيق توازن بين معادلتين متعارضتين ظاهريًا: توفير منتج غذائي بأسعار مناسبة للمستهلك، وضمان سعر يغطي تكلفة الإنتاج ويحافظ على استمرار المنتجين في السوق.
ويرى رئيس شعبة الدواجن أن تحقيق هذا التوازن يتطلب رقابة أكثر فاعلية، وآليات واضحة للتسعير، وزيادة المكون المحلي من مدخلات الإنتاج، إلى جانب استغلال فرص التصدير المتاحة.
وبالنسبة لقطاع تتجاوز استثماراته 200 مليار جنيه ويوفر ملايين فرص العمل، فإن استقرار دورة الإنتاج لا يرتبط فقط بحركة الأسعار اليومية، وإنما بقدرة الصناعة على السيطرة على تكاليف مدخلاتها والحفاظ على قاعدة المنتجين، بما يضمن استمرار تدفق الإنتاج المحلي وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار في السوق.