تواجه خطة الإسكان الميسر في كينيا، التي تقترب محفظة مشروعاتها من 1.76 تريليون شلن كيني (نحو 14 مليار دولار)، اختبارًا ماليًا متزايدًا، بعدما كشفت بيانات رسمية عن فجوة تمويلية بنحو 118.3 مليار شلن، إلى جانب توقف أعمال في عشرات المشروعات بسبب تأخر التمويل والمدفوعات للمقاولين.
ولا تقتصر التحديات التي تواجه البرنامج، الذي أطلقته الحكومة في 2023، على توفير الأموال اللازمة لبناء الوحدات السكنية، إذ تبرز في المقابل معضلة أكثر تعقيدًا تتمثل في قدرة الأسر على تمويل شراء هذه الوحدات، خصوصًا مع ارتفاع تكلفة الاقتراض وأسعار الفائدة، وهو ما يضع الطبقة المتوسطة في قلب اختبار القدرة على التملك.
فجوة تمويلية تضغط على تنفيذ المشروعات
تظهر بيانات مكتب الموازنة البرلماني أن الإنفاق على البرنامج منذ إطلاقه في 2023 بلغ نحو 198 مليار شلن كيني، مقابل محفظة مشروعات تقدر قيمتها بنحو 1.76 تريليون شلن.
وبحلول نهاية يونيو، توقفت الأعمال في 176 مشروعًا نتيجة تأخر التمويل والمدفوعات للمقاولين، ما يسلط الضوء على الفجوة بين حجم الطموحات الحكومية والموارد المالية المتاحة لتنفيذها بوتيرة مستقرة.
وقدّر مكتب الموازنة فجوة تمويل البرنامج بنحو 118.3 مليار شلن، رغم تحصيل الحكومة نحو 205.7 مليار شلن منذ بدء تطبيق رسم الإسكان في عام 2023.
ويعتمد البرنامج على مساهمة إلزامية تبلغ 1.5% من راتب الموظف، مقابل نسبة مماثلة يتحملها صاحب العمل، ليصل إجمالي المساهمة إلى 3% من الأجر.
لكن هذه الإيرادات لا تبدو كافية بمفردها لتمويل المستهدف الحكومي ببناء نحو 200 ألف وحدة سكنية سنويًا، الأمر الذي يدفع إلى البحث عن مصادر تمويل إضافية لضمان استمرار المشروعات.
أزمة الإسكان تنتقل من موقع البناء إلى جيب المشتري
ورغم أهمية تأمين التمويل اللازم لإنجاز المشروعات، فإن توفير الوحدات السكنية لا يعني تلقائيًا قدرتها على البيع.
فهناك تحدٍ موازٍ يتمثل في قدرة الأسر على الحصول على التمويل العقاري اللازم للشراء، خصوصًا في ظل ارتفاع أسعار الفائدة ومتطلبات الدفعات المقدمة وتفاوت مستويات الدخل.
ويشير البنك الدولي إلى أن نحو 75% من العاملين في القطاع الرسمي يحصلون على أقل من 50 ألف شلن كيني شهريًا، في حين يبلغ السعر المعتاد للوحدة السكنية الرسمية في نيروبي نحو 28 ألف دولار.
وتكشف هذه الأرقام عن فجوة محتملة بين أسعار الوحدات ومستويات دخل شريحة واسعة من المشترين، ما يجعل تكلفة التمويل ومدة القرض عاملين حاسمين في تحديد قدرة الأسر على التملك.
الرهن العقاري.. الحلقة المفقودة
وتسعى كينيا إلى تطوير آليات إعادة تمويل الرهن العقاري بهدف توفير مصادر تمويل أطول أجلًا وأقل تكلفة للبنوك، بما يمكن المؤسسات المالية من تقديم قروض سكنية بشروط أكثر ملاءمة للمقترضين.
وتكتسب هذه الآليات أهمية خاصة في سوق تحتاج فيه الأسر إلى قروض تمتد لسنوات طويلة، بحيث تصبح قيمة الأقساط الشهرية متناسبة مع دخولها.
لكن خفض تكلفة التمويل يظل عنصرًا أساسيًا في المعادلة؛ فحتى إذا نجحت الحكومة في زيادة المعروض من الوحدات، فإن ارتفاع أسعار الفائدة أو اشتراط دفعات أولى مرتفعة يمكن أن يبقي جزءًا من المستفيدين خارج سوق التملك.
الطبقة المتوسطة أمام معادلة صعبة
تجد الطبقة المتوسطة نفسها في قلب هذه المعادلة، إذ تواجه من جهة ارتفاع تكلفة السكن، ومن جهة أخرى قيودًا على قدرتها على تحمل تكلفة الرهن العقاري.
وبالتالي، فإن مفهوم «الإسكان الميسر» لا يرتبط فقط بسعر الوحدة عند طرحها، وإنما أيضًا بالتكلفة النهائية التي يتحملها المشتري طوال فترة التمويل.
فالوحدة التي تبدو ميسرة عند تحديد سعر البيع قد تصبح أقل قدرة على التحمل إذا اقترنت بفائدة مرتفعة أو بفترة سداد قصيرة.
ومن هنا، فإن نجاح البرنامج يتطلب تنسيقًا بين الدعم الحكومي، والمدخرات الأسرية، والتمويل المصرفي، وآليات إعادة تمويل الرهن العقاري، بما يضمن بقاء أسعار الوحدات والأقساط الشهرية ضمن نطاق يتناسب مع دخول المستفيدين.
طلب سكني كبير.. لكن القدرة على الشراء هي التحدي
تأتي هذه الأزمة في سوق تعاني أصلًا فجوة كبيرة بين الطلب والمعروض.
ويقدر البنك الدولي العجز السكني في كينيا بأكثر من مليوني وحدة، فيما يضاف نحو 250 ألف أسرة جديدة إلى الطلب سنويًا، مقابل متوسط معروض جديد يقل عن 50 ألف وحدة.
وتعني هذه الأرقام أن المشكلة ليست في غياب الطلب على السكن، بل في قدرة السوق على تحويل هذا الطلب إلى مبيعات فعلية مدعومة بتمويل مستدام.
من بناء الوحدات إلى بناء القدرة على التملك
تكشف تجربة الإسكان الميسر في كينيا أن معالجة أزمة السكن تتطلب أكثر من تسريع أعمال البناء.
فاستدامة البرنامج ترتبط بقدرته على تأمين تمويل طويل الأجل للمشروعات، وفي الوقت نفسه تطوير سوق الرهن العقاري بما يخفض تكلفة الاقتراض ويزيد قدرة الأسر على تحمل الأقساط.
وبين فجوة تمويل المشروعات البالغة 118.3 مليار شلن وتحديات القدرة الشرائية للأسر، تبدو منظومة التمويل هي العامل الحاسم في تحويل الطموح ببناء مئات الآلاف من الوحدات إلى مساكن مملوكة فعليًا للأسر.
وفي النهاية، لن يُقاس نجاح خطة الإسكان الكينية بعدد الوحدات التي يتم بناؤها فقط، وإنما بقدرة الأسر المستهدفة على شراء تلك الوحدات وتمويلها على المدى الطويل دون أن تتحول تكلفة الرهن العقاري إلى عائق جديد أمام التملك.